آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاختلاط في أميركا

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

يقول الخبر، إن النادي السعودي في مدينة يوجين بولاية أوريغون الأميركية أعلن عن تنظيم حفلة لعيد الأضحى المبارك، وحجز قاعة لاستقبال الطلبة والطالبات ومرافقيهم هناك، لكن عددا من المبتعثين «فوجئوا» بأن الحفل سيقام بـ «قاعة واحدة» وهو ما يعني «اختلاط» الجنسين، ولذلك بحسب «صحيفة «الحياة» 23 أكتوبر «تشرين الأول» 2013»، فقد هب عدد من المبتعثين بالمعارضة حينا، والهجوم على القائمين أحيانا، مما اضطر رئيس النادي السعودي عبد الرحمن الجعفري إلى توضيح الملابسات التي بدورها خففت من حدة النقاش. ولم تقتصر المعارضة، «سواء على صعيد العزاب أم المتزوجين»، على الرفض فحسب، إذ سعى عدد من الطلاب إلى جمع تواقيع فاقت الـ100. تطالب بإقالة رئيس النادي السعودي.

يبدو المشهد أعلاه سيرياليا بامتياز، هو واحد من مظاهر التناقض في شخصيتنا، وفي ثقافتنا، فما دمت طالبا في الولايات المتحدة فأنت بالضرورة مندمج في نظامها التعليمي القائم على الاختلاط، وفي طريقك «افتراضا» للاندماج في نظامها الاجتماعي والثقافي الذي يكافح التمييز. وهناك «آمال» عريضة عليك أن تستفيد من وجودك في بلد تقوم مناهجه على الحداثة، ونظامه الاجتماعي على الانفتاح، في تطوير آليات التفكير، وخاصة تجاه المرأة.

هذا الأمر محير للغاية، وهو يبدو أشد وقعا حين يحدث في الولايات المتحدة، ليس لأن الطلاب مارسوا حقهم الحر في رفض الاختلاط، ولكن لأنهم أظهروا تناقضا في شخصياتهم، فما يقبلونه في صباح اليوم التعليمي، يرفضونه في مساء الحفل السعودي. وربما كان زميل إحداهن، أو زميلة أحدهم؛ طالبا أو طالبة سعودية. هذا وجه، وثمة وجه آخر للحيرة، فهناك دائما شكوك نصوبها تجاه بعضنا، وهذا ما نبرزه في الأماكن العامة وفي السفر، حين يرغب البعض في أن يبدو أكثر تشددا تجاه بني جلدته ومواطنيه، خوفا منهم لا مجاملة لهم. فالعائلة يمكنها أن تجلس على مقاعد مكشوفة تحتسي القهوة في أي مقهى في روما وباريس ولندن وحتى دبي قبل أن يظهر في الأفق مواطن، عندها تبرز إجراءات الدفاع والضيق والممانعة.

صدمة أخرى أبرزها خبر الاختلاط، وهو اعتقادنا الخاطئ أن دولة عظمى بحجم أميركا تمتلك وتطبق آليات الحداثة والليبرالية يمكنها أن تفتت أو تذيب الهويات والثقافات الانعزالية أو المتشددة. بل إن الحديث عن جغرافيا التشدد والانفتاح يبدو هو الآخر وهما. في السابق، احتضن النظام التعليمي والاجتماعي الأميركي حالات متشددة قادمة من الشرق، واليوم يعجز عن التأثير في حالات أخرى. وتصلنا يوميا أشعار وقصائد وتعليقات لطلاب أو طالبات يعيشون في الغرب ويدرسون لسنوات في مناهجها، ويستظلون بأنظمتها، ولكن آراءهم تنتمي إلى الماضي ولا تعرف نكهة الحاضر أو المستقبل. كنا نظن أن بعض طلابنا في الغرب بابتعاده عن الشجارات العنصرية والطائفية في هذه المنطقة سيحافظ على نقائه ونظافة تفكيره قبل أن تفاجئنا حالات «قليلة» ولكنها في نمو، لانغماس بعضهم في استدعاء الماضويات والترويج لها.

لا توجد حتمية للجغرافيا، فيمكن أن يولد أو ينشأ أو يبقى التشدد في أميركا، ويمكن أن يندحر في أكثر الأماكن تضييقا وهي السجون، حيث يمكنها «وقد فعلت» أن تمنح نزلاءها فرصة للتأمل والمراجعة، بل وتغيير المنهج.. مثل تجربة القيادي المصري في الجماعة الإسلامية طارق الزمر، الذي قضى في السجن أكثر من 29 عاما، لكنه خاض مراجعة مريرة مع الذات أنتجت كتابه المعروف «مراجعات لا تراجعات»، الصادر في 2005، وتجارب أخرى مشابهة.

يحضرني هنا بيت شعر للشاعر العراقي أحمد مطر، يقول:

أفلح السحر

فها نحن بـ «يافا»

نزرع القات

ومن «صنعاء»

نجني البرتقال