آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

د. أسامة عبد الرحمن.. المثقف الملتزم

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

* يمثل الأكاديمي والباحث والشاعر السعودي الدكتور أسامة عبد الرحمن، الذي رحل الأسبوع الماضي عن 71 سنة، واحدا من أهم الباحثين السعوديين في مجال التنمية، والإدارة، والفكر السياسي.

فقد اشتغل مبكرا، وبصورة نقدية، بدراسة وتحليل الظاهرة الاقتصادية، ما بعد اكتشاف النفط ودخول منطقة الخليج في عصب الحياة الاقتصادية الرأسمالية كمصدر للطاقة، وكمتلق لرساميل البترودولار. ودور النفط في التحديث، وعلاقته بالقبيلة المكون الأبرز للمجتمع، وبالدولة رافعة التنمية.

ولد الدكتور أسامة عبد الرحمن عثمان في المدينة المنورة عام 1942، وفيها تلقى دراسته الأولى، ثم التحق بجامعة الرياض «الملك سعود حاليا»، بعدها سافر إلى الولايات المتحدة حيث نال درجة الماجستير والدكتوراه، ثم عاد إلى جامعة الرياض مدرسا، كما عمل عميدا لكلية التجارة، وكلية العلوم الإدارية، وكلية الدراسات العليا، وأصبح مستشارا في عدة هيئات علمية، وعضوا في هيئة تحرير المجلة العربية للإدارة ومجلة العلوم الاجتماعية.

اتسمت دراساته وأبحاثه بنفس نقدي، كان المجتمع بحاجة إليه. وجعله مد. أسامة عبد الرحمنن ثم يقف على مسافة من التغيرات التي شهدتها البلاد والخليج بشكل عام منذ منتصف السبعينات وبلغت ذروتها في الثمانينات.

هذا الموقف جعله بعيدا عن المناصب القيادية في الجهاز الإداري الذي كان يفتش في السبعينات عن الكوادر التكنوقراطية، بينما وجد زميله الدكتور غازي القصيبي نفسه منسجما أكثر مع هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

وترك الدكتور أسامة بصمة واضحة في الدراسات التنموية والسياسية التي بحثت في قضايا النفط والإدارة والطبقة الوسطى في الخليج والجزيرة العربية، وكان كتابه ذائع الصيت: «البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية» الصادر عام 1982 عن سلسلة «عالم المعرفة» بالكويت، مرجعا مهما في هذا الجانب.

تلاه عدد من الدراسات، بينها: «المثقفون والبحث عن مسار»، و«المأزق العربي الراهن: هل إلى سبيل من خلاص؟»، الصادران عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. وكتب أخرى مثل: «الثقافة بين الدوار والحصار»، و«التنمية بين التحدي والتردي»، و«المورد الواحد»، و«عفوا أيها النفط».

ومن كتبه المهمة، كتاب «النفط.. والقبيلة..

والعولمة»، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وهو دراسة تتناول تطور القبيلة في الخليج بسبب اكتشاف النفط، غير أن هذا التطور بقي شكليا - كما يرى - حيث استقرت البداوة في الجذور.

وهو يرى أن الثروة النفطية أعطت الخليج أهمية خاصة، ومعها أعادت إنتاج القبيلة، فكانت الثروة رافعة القبيلة من جديد: «لقد كانت قبل برهة تاريخية خارج العصر وخارج حركة الزمن وإيقاعه، فأتى إليها العصر بقضه وقضيضه.. بالقوى الكبرى والأطماع الكبرى وإنتاج القوى الكبرى منذ أن تفجر النفط فيها».

والكتاب يعالج عددا من الظواهر التي أفرزتها الطفرة النفطية في دول الخليج، وهو يرى أن احتلال الكويت سنة 1990 أيقظ الروح القبلية في المنطقة الخليجية بعد فترة سكون، وكان ذلك - برأيه - على حساب روح الانتماء القومي الذي عرف به الخليج.

أما الجانب الآخر في سيرة الراحل الدكتور أسامة عبد الرحمن، فهو الجانب الشعري، وهو الآخر كان ثريا وغزيرا ويمتلك روحا عروبية وقومية، فمنذ عام 1982 صدرت له 19 مجموعة شعرية، معظمها تحمل عناوينها مصطلحات قرآنية، هي: «استوت على الجودي» 1982، و«شمعة ظمأى» 1982، و«غيض الماء» 1984، و«بحر لجي» 1985، و«فأصبحت كالصريم» 1986، و«موج من فوقه موج» 1987، و«هل من محيص» 1988، و«لا عاصم» 1988، و«عينان نضاحتان» 1988، و«رحيق غير مختوم» 1989، و«الحب ذو العصف» 1989، و«أشرعة الأشواق» 1992، و«الأمر إليك» 1992، و«قطرات مزن قزحية» 1992، و«يا أيها الملأ» 1992، و«عيون المها» 1992، و«أوتيت من كل شيء» 1992. وصدرت له ملحمتان شعريتان: و«نشرة الأخبار» 1984، و«شعار» 1986.

ومن أبرز مساجلاته الشعرية، تلك التي وقعت بينه وبين الدكتور غازي القصيبي، فحين كان الراحلان زميلي عمل في جامعة الملك سعود، جرى تعيين القصيبي مديرا عاما للسكة الحديدية في الدمام، فألف الدكتور أسامة عبد الرحمن قصيدة عارضها القصيبي بأبيات أخرى في القافية نفسها. يقول الدكتور أسامة:

قل للمعلم والعميد

لك ما أردت وما تريد

أخشى من التأويل

إن صرحت أن اليوم عيد

فرح العميد وبارك

الأستاذ وابتهج المعيد

ما للسياسة ما لها

وإدارة السكك الحديد

فإذا بعدت فإنه

ما كنت يوما بالبعيد

إن كان عهدك بيننا

ما كان بالعهد السعيد

فرد عليه الدكتور غازي القصيبي بقصيدة يقول فيها:

الحمد لله المجيد

يقضي ويفعل ما يريد

فبأمره وبفعله

سرنا إلى السكك الحديد

نعنى بأحوال القطار

يسير من بيد لبيد

قال الزميل أسامة

وهو المبرز في القصيد

ما لسياسة ما لها

وإدارة السكك الحديد

فأجبت لا تعجب

وخذ يا صاحبي الخبر الأكيد

إن السياسة فاعلمن

في كل ميدان تفيد

فن القيادة ليس

من علم السياسة بالبعيد