آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 1:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الزاهد الإنسان سعيد الخباز

بدر شبيب الشبيب *

يقولون: ليس الزهد أن لا تملك شيئا، بل الزهد أن لا يملكك شيء. هذه المقولة تنطوي فيما أظن على الكثير من الحكمة، وتصحح المفهوم الخاطئ وتعيد تشكيل الصورة الذهنية المتعارفة عن الزهد والزاهدين. فالزهد لا يعني - كما يبدو للبعض - الملابس الرثة البالية والابتعاد عن زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. بل هو في حقيقته الخارجية انعكاس لارتباط الإنسان بمن وما حوله، ونظرته لكل ذلك. الزهد موقف يحكي عن معرفة عميقة بالأشياء والأشخاص والأفكار ومعرفة الوزن الحقيقي لكل منها في منظومة الحياتين الدنيوية والأخروية. وقد ورد عن الإمام علي ما يؤيد هذا المعنى، كقوله: أحق الناس بالزهادة من عرف نقص الدنيا؛ وقوله: أصل الزهد اليقين وثمرته السعادة.

قد يمتلك الإنسان الأموال الطائلة، وهو من الزاهدين، لأنه يمكنه التخلي عما يشاء منها حين يشاء دون أن يؤثر ذلك سلبا في نفسه، كما إنه حين يفقدها لأي سبب من الأسباب لا يصاب بحالة من الأسى والحزن المقيم.

وقد لا يملك الإنسان من عرَض الدنيا إلا القليل، وهو من المتشبثين به «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل»، وربما يصاب بجلطة أو سكتة لو خسر شيئا يسيرا من ماله في صفقة ما.

ويلخص ذلك الإمام علي في قوله: الزهد كله في كلمتين من القرآن قال الله تعالى: ﴿لكيلا

تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم فمن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد.

الأستاذ سعيد عبد الكريم الخباز أثبت - كما أرى - أنه من الزاهدين حقا، حيث قام باتخاذ قرار جريء لا يستطيع اقترافه إلا الزاهدون، تمثل في التخلي عن مشروع كبير كامل يخصه، هو مستوصف طب الهادي، متبرعا به لصالح جمعية البر في سنابس، وهو تبرع سخي بلا شك، خصوصا إذا عرفنا أنه اشترى هذا المشروع من «تحويشة العمر» كما يقولون، أي مما حصل عليه من مستحقات التقاعد والادخار من شركة أرامكو السعودية كما ذكر ذلك الأستاذ سلمان العيد في مقال له بعنوان: قصة الخباز ومستوصف طب الهادي.

والأستاذ الخباز إنسان أيضا، فبالإضافة للمسة التبرع الإنسانية الحانية، نراه مهتما أشد الاهتمام بالموارد البشرية وإدارتها. وقد شغل منصب رئيس مؤتمر الشرق الأوسط لإدارة الموارد البشرية بالبحرين في الأعوام 1996، 1997، 1998 م، وكان عضوا بإدارة معهد الخليج لإدارة الموارد البشرية بالشارقة من عام 1987 - 1990، وهو عضو أيضا في الجمعية الدولية لإدارة الموارد البشرية. وتمشيا مع اهتمامه هذا قام بتأسيس جائزة القطيف للإنجاز، والتي اكتسبت سمعة متميزة في المنطقة. ينظر الخباز للجائزة من منظور تنموي بحت، فيرى فيها - كما ذكر في حوار مع مجلة الخط - مشروعا «لتأسيس قاعدة بيانات للشباب الذين عندهم عطاء في جميع المجالات في الفن والأدب والبحوث العلمية، وينبغي أن تبنى على هذه القاعدة أمور أخرى».

إن مجتمعنا بحاجة لأمثال الأستاذ سعيد الخباز ممن يساهمون بجد وإخلاص ووعي وعلم في تنميته وتطويره، وهو - أي مجتمعنا - زاخر بالطاقات والكفاءات الخلاقة، ولكن كثيرا منها وللأسف يجهله الناس، إما بسبب ضعف الحضور الاجتماعي، أو لأن المجتمع لا يلتفت لها كما ينبغي إلا بعد فوات الأوان.