آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 9:59 م

محاولة في فهم إيران - 3 -

نجيب الزامل صحيفة الاقتصادية

عندما استولى العرب المسلمون على فارس ”إيران“، انتقل معظمهم كما أوضحت في الجزء الثاني إلى الإسلام، انتقالا من الزرادشتية، وهرب قليلون إلى الهند وبقوا فيها.

وبقيت إيران دولة مسلمة سنية أخرجت مفكرين عباقرة أثروا على مجمل العلوم، سواء في الريادة في علوم اللغة العربية، أو في العلوم الشرعية، وخصوصا النقلية، وفي العلوم الطبيعية، والفلسفة الرياضية، وعلم الفلك، والأرقام والرياضة. وجاء الالتفاف الأكبر عندما حكمتها الأسرة الصفوية، التي سبق أن قلنا إن عاصمتها كانت مدينة شيراز، وهي المنطقة الفارسية الحقيقية كما تم الشرح في الجزء السابق.. ومن هنا تغيرت كل إيران، وانصبغت بالمذهب الشيعي.. ليس كاملا، ولكن في السواد الأعظم. لم يحدث هذا في البعيد، لم تنتقل إيران من المذهب السني إلى الشيعي إلا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، ولكنه تجذر في أعمق الأعماق. ومن هنا كل سر التغير الإيراني، وحماسته للمذهب الذي صار قابلا للانتقال والشيوع بسبب سياسة المرجعية..

ومصادفات أخرى..

مثل هذه المصادفات أن معظم القبائل العربية التي تشيعت في العراق إنما تشيعت ظرفيا في القرن العشرين، بالضبط قبل الحرب العالمية الأولى، حيث كانت الدولة العثمانية تجند أبناء العرب للحرب المحتملة العالمية، ولأنها سنية ولم تكن تجند أبناء الشيعة، فادعت قبائل التشيع حتى لا يذهب أبناؤها للحرب، على أنهم بقوا شيعة إلى يومنا.. ومن هنا نقول إن فهم التاريخ والظرف والموضوع الخاصين به مهم جدا لفهم من تراه خصما أو نداً في فهم دقائق في بنيته تفيد في مواجهته وفهمه ليس ضرورة للاحتراب، فحتى فهم الأصدقاء من الأمور المهمة.

لم تكن إيران قوية ولا متماسكة طيلة الحكم الذي تلا الأسرة الصفوية، فحكمها الأفغان مدة طويلة، حتى حررها نادر شاه مؤسسا حكم الأسرة الأفشارية، ثم غلبت أسرة أخرى هي القاجارية حتى عام 1925 وأسسها الشهير محمد آغا خان. ولكن حكم إيران تحت حكم القاجاريين كان منتهكا من القرن التاسع عشر بالنفوذ الأوروبي من روسيا حتى هولندا وإنجلترا، فانتزعت روسيا أراضي القوقاز من إيران، بل قسمت إيران على منطقتي نفوذ روسية وبريطانية وبدا أن الأسرة الحاكمة القاجارية مجرد قرطاسة يخط عليها الغرب ما يشاء، خصوصا بعد ظهور النفط بكميات كبيرة في آخر القرن 19، وهنا تمكنت شركة هولندية بأكبر لعبة نصب دولية من اغتصاب هذا المورد الكبير من الدولة المنتهكة الضعيفة، ثم استعمرت كتائب روسية وبريطانية إيران في عام 1915، وقصة خروج جيشي روسيا وبريطانيا من إيران لا يسع المقام ذكرها.. والمهم أنه في عام 1925 قام رجل قوي وذو أنفة وشكيمة وأزال آخر رأس في السرة القاجارية، وأسس إيران الحديثة  تقريبا  ونادى بنفسه شاه فارس، وهو رضا شاه بهلوي.. فبدأ حكم الأسرة البهلوية.. ولكنه في الحرب العالمية الثانية ألغى امتيازات الغرب وأعلن الحياد، فطردته بريطانيا وروسيا إلى جنوب إفريقيا، ونصبوا ابنه محمد رضا، وهو الذي أطاحت به الثورة التي أتت بالخميني، وعاد التاريخ يكتب فصلا جديدا في إيران، هذه المرة بالمذهبية الشيعية..

ولا بد أن نعترف بأن الخميني قرر نقل المذهب خارج إيران، وقلنا إن إيران لا تعتبر غنية، ومع ذلك اخترقت وبظهور بارز مناطق سنية تقليدية والسنة غافلون، أو أنهم متغافلون، ولما تجذرت واتسعت.. بدأ الخوف واستنكار التوسع. وكان لا بد أن يحافظ السنة على مرابطهم، ولكنهم لم يفعلوا..

هذه إيران.. جارتنا القدرية، نحاربها، أم نمارس معها دبلوماسية توازن وحذر، أو سياسة بقاء للطرفين.. في كل الظروف علينا أن نعرف ما هي إيران؟ وهنا أوجزت بحرا بقطرة.

والله المستعان من قبل ومن بعد.