آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 1:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الرضا توأم الحب «2»

بدر شبيب الشبيب *

قد يتبادر لذهن البعض أن الرضا يعني الاستسلام للواقع والخضوع لإملاءاته. هذا تحريف لمفهوم الرضا ربما يشيعه ويروج له الذين يخشون تغيير الواقع مهما بلغ من سوء. أما الرضا الحقيقي فهو الذي يمنح الإنسان القدرة الهائلة في مواجهة التحديات والصعوبات والعقبات، ويجعله يزداد تماسكا وصلابة في أحرج المواقف وأعقد الظروف. الرضا الذي نتحدث عنه والذي هو توأم الحب هو ذلك الذي يحافظ على توازن الإنسان، فلا يكون أسيرا لتقلبات الطقس الخارجي الاجتماعي أو المادي حوله. فمن يصل لمرتبة الرضا يحمل طقسه معه أينما حل أو ارتحل.

يقول تعالى في سورة آل عمران متحدثا عن أصحاب اليقين الذي من ثمراته الرضا، وكيف واجهوا وسائل التخويف والتثبيط: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «173» فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ «174».

وعندما تعرض النبي المصطفى ﷺ في الطائف لأنواع الأذى من ثقيف وغلمانها، خاطب ربه الكريم راضيا باحثا عن الرضا، قائلا فيما قال: فإن لم يكن منك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك‏ العتبى‏ حتى‏ ترضى‏.

ولأنه ﷺ كان كذلك، لم يتراجع أبدا أو يضعف عزمه، وواصل مسيرته في ثبات لا يتزعزع، ”فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ، مُسْتَوْفِزاً «أي مسارعا» فِي مَرْضَاتِكَ، غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ، وَ لَا وَاهٍ فِي عَزْمٍ“ كما قال الإمام علي عنه.

وتأكيدا على الملازمة بين الرضا من جهة والمثابرة على العمل من جهة أخرى يجيب جبرائيل على سؤال لرسول الله ﷺ عن تفسير الرضا في حديث طويل، فيقول له: الرَّاضِي لَا يَسْخَطُ عَلَى سَيِّدِهِ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا أَوْ لَمْ يُصِبْ، وَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ.

والرضا كما ورد في العديد من الروايات يورث الراحة البدنية والنفسية. فعن الإمام علي : من رضي من الله بما قسم له استراح بدنه. وعنه أيضا: نعم الطارد للهم الرضا بالقضاء. وعنه: إن أهنأ الناس عيشا من كان بما قسم الله له راضيا.

فلنحرص على تناول جرعة الرضا كل يوم، فإنها وصفة الحب التي لا تخطئ العلاج أبدا.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا..