آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 2:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«أبو هريرة الأميركي»

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

على ذمة صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن هيئات أميركية، بينها الاستخبارات، تعكف على دراسة «سبب تحول الأميركيين إلى التطرف». لكنها، حسب مسؤول كبير سابق في مكافحة الإرهاب بمجلس الأمن القومي والمركز القومي لمكافحة الإرهاب، «لم تصل إلى أي إجابات قاطعة».

الأميركيون شعروا بالصدمة بعد أن نفذ مواطنهم «أبو هريرة» هجوما انتحاريا في حلب السورية. هنا، تذكروا أن الشاب الرياضي منير محمد أبو صالحة، المتحدرة أسرته من أصول فلسطينية، أميركي وليس فلسطينيا. التوصيف الثاني يريح البال، ويدحرج المشكلة إلى أصولها التقليدية: فالتطرف والإرهاب صناعة شرق أوسطية بامتياز..!

لكن هذا الفتى، الذي أطلق على نفسه اسم «أبو هريرة»، ولد ونشأ وتربى وتعلم في الولايات المتحدة. وفي فلوريدا ذات الشواطئ الساحرة، التي تعانقها المياه من كل مكان، تكون وعيه ونمت مداركه ومواهبه..

هو من الجيل الثاني من المهاجرين إلى العالم الجديد، جيل لم يلامس منطقة التوترات الساخنة، ولم يتشابك داخله صراع الهويات، لم يجلده سوط، ولم يترعرع في أحزمة البؤس والهامشيات، لم تضطره الظروف إلى أن يجلس طفلا تحت رحمة مشايخ يصيغون فكره خوفا وحقدا وكراهية تجاه العالم.

هذا الشاب وجد ما يتمناه ملايين الشباب: العيش في بلد يضمن العدالة الاجتماعية، والفرص المتساوية، والرفاه الاقتصادي، والديمقراطية.

سيرة «أبو هريرة» هذا مهمة للغاية، لأنه عندها تتكشف مسارب الفكر المتطرف. كيف تمكن هذا الفكر من أن يستولي على شاب يمتلك كل هذه المقومات، ويلاحقه إلى الولايات المتحدة ليجنده ويصنع منه انتحاريا يفجر نفسه بستة عشر طنا من المتفجرات؟!

كيف تمكن أحدهم، عبر وسائل التواصل وباستخدام لغة وثقافة متناقضتين مع التكوين النفسي لهذا الشاب، من أن ينجح في التأثير فيه، واجتذابه إلى الموت، وقد كانت الدنيا كلها تشرق في وجهه هناك؟!

لا وقت للتشفي والشماتة..! فهناك من يفتش عن عذر لكي يلقي اللوم بعيدا: انظروا من يتهم مناهجنا بإنتاج التطرف كيف سيتعامل مع المناهج الأميركية التي أنتجت «أبو هريرة»؟

لا يتعلق الأمر بالمناهج فقط، وإن كانت في قلب دائرة المسؤولية، حتى يفتش حراسها عن صك للبراءة. نتحدث عن نظام كامل يعيش فيه الإنسان الفرد فيمنحه الحرية والفرصة والعدالة، أو الكبت والقهر والتهميش. نظام يلهم أفراده الطموح للتغيير والتطلع إلى المستقبل، ولا يكسر إرادتهم أو يحطم نفسياتهم أو يشدهم نحو الماضي.. وقد توفر النظام المثالي لهذا الشاب، ومن هنا أصبحت قصته مهمة وحساسة للغاية.

فحين ينجح المتطرفون، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي في اختراق أميركا، وأوروبا، وتجنيد الشباب هناك نحو الموت، فهو ناقوس خطر حقيقي، لأنه يكشف هشاشة التحصينات التي نبنيها، وحجم القوة التي يستأثرون بها، وشكل الدهاء الذي ينفذون من خلاله إلى الشباب.

لقد نجح أصحاب مشاريع الموت رغم كل الإغراءات هناك. فماذا عساهم يفعلون إذا وجدوا شيئا من الإحباط والقلق والفوضى؟