آخر تحديث: 5 / 12 / 2020م - 6:46 ص

سياسة بلا تنظير

بدر شبيب الشبيب *

«كفاية تنظير» جملة مألوفة تتكرر دائما في أوساط مجتمعاتنا، تعبر عن الضجر والتبرم من التنظيرات الكثيرة الهائلة لقضايانا. هكذا يبدو الأمر عند إطلاق هذه العبارة، وكأن لدينا كما ضخما من المنظرين الممارسين المنتجين الذين أتخموا ساحتنا بالدراسات والأفكار والنظريات في كل شأن من شؤوننا العامة. وبناء على هذه النظرة المقبولة عند الكثير، فإننا لا نعاني من نقص على مستوى التنظير، وإنما مشكلتنا في التطبيق على أرض الواقع.

ولكن عند التدقيق الفاحص الناقد فيما يوصف بالتنظير عندنا، يمكن أن نخرج بنتيجة مضادة للمقولة المتداولة، حيث يشكو واقعنا من أنيميا حادة على الصعيد التنظيري. فأغلب ما يسمى تنظيرا ويتم طرحه على أنه كذلك في الملتقيات النخبوية، فضلا عن غيرها، لا يعدو كونه عصفا ذهنيا لا يركن إلى منهج علمي في الوصف والتشخيص والمعالجة، ويخلو من الحقائق الموثقة والأرقام الدقيقة، ويتسم بالعمومية.

ولو ألقينا نظرة على ما وصل إليه الحال بعد موجة «الربيع العربي» التي نودي فيها بالحرية والعدالة والمساواة، لرأينا أن المطالبة بتطبيق تلك القيم كانت عاطفية غائمة حتى على مستوى النخب، وافتقرت أشد الافتقار إلى التأصيل النظري الذي يضع حدودها ورسومها، ويحدد معاييرها، ويبين أهميتها. كان الاكتفاء بالصور الذهنية المرتبكة والمتناقضة عن تلكم المفاهيم هو الغالب في المشهد السياسي، ولذا كانت النتائج مخيبة للآمال. فكثير من الذين هتفوا للحرية ليس لديهم أي تصور عن الحريات التي يناقشها العالم ويتبناها، وكثير من المنادين بتطبيق العدالة رفضوها حين وصلت إلى تكافؤ الفرص بينهم وبين بقية المواطنين، وكذلك الأمر بالنسبة للمساواة.

مجتمعاتنا العربية لا تزال بعيدة جدا عن النقاشات العلمية الجادة التي تبحث عن الصيغة الأفضل لإدارة الدولة وكيفية الانتقال السلمي للسلطات بسلاسة فيها، وكيفية إدارة التنوع في داخلها، وما هو الشكل الديمقراطي الأنسب الذي يمكنه أن يمنح للسلطة مشروعيتها وللمجتمع تنميته واستقراره وتطوره. ومما لا شك فيه، فإن لغياب التنظير هذا دورا رئيسا في الاستعداد النفسي الاجتماعي للقبول بالأطروحات الطوباوية التي تجاوزها الزمن، كفكرة الخلافة التي لقيت رواجا عند البعض لأنها لامست مشاعرهم كسبيل للخلاص والإنقاذ، دون أن يُخضعوها للمساءلة رغم كل الغموض المحيط بها من كل جانب.

إن المرحلة السياسية الراهنة التي يمر بها العالم العربي تستدعي من نخبه إثراء الساحة بالدراسات العلمية المحكمة والنقاشات الرصينة المنطلقة من تعقيدات الواقع والباحثة عن مخرج من مأزق الانسداد التاريخي الذي وصلنا إليه.