آخر تحديث: 2 / 3 / 2021م - 1:44 ص

كيف يتهربون من إدانة مجزرة «الدالوة»؟

عبد الرحمن الوابلي صحيفة الوطن
اقرأ أيضاً

مع كل الانتصارات التي حققها الوطن ضد الإرهاب إلا أننا أخذنا نسمع ومنذ اللحظة الأولى لجريمة «الدالوة» ومن بعض الشخصيات المحسوبة على الوطن، إدانات سطحية وهشة تتلوها كلمة «ولكن»!

بعد فاجعة ومجزرة «الدالوة» توحد الوطن على قلب إنسان واحد، مواطنيه، قبل مسؤوليه ومثقفيه في إدانة العمل الإجرامي اللاإنساني، فضلا عن أنه اللاوطني. وجميعهم طالبوا وبلسان إنسان واحد بسن قوانين تجرم الطائفية والتعصب، لحماية إنسان هذا الوطن ولحمته الوطنية. وطالبوا بتعقب المجرمين القتلة وتقديمهم للعدالة، وإنزال القصاص الذي يستحقونه بهم دون رحمة أو تهاون. إنها الحادثة التي جددت وحدة الوطن على أسس إنسانية نبيلة؛ وعبرت عن قيم مواطنة أصيلة. ونستطيع أن نقول وبكل فخر، لقد انتصرت «الدالوة» لكل الوطن، وهزمت أعداء الله والوطن، بكل ما يمثله الأعداء من إرهاب وطائفية وتعصب وتعطش لسفك الدماء الطاهرة.

لذلك فليس من المستغرب أن يطل على الأعداء خليفتهم المزعوم وبصوته المشؤوم، أبو بكر البغدادي، ليرفع معنوياتهم المندحرة ويطالبهم بقتل المزيد من إخوتنا في الوطن والدين والإنسانية أبناء الطائفة الشيعية الكريمة في المملكة ليشعل الفتنة فيها كما أشعلها في العراق وسورية ولبنان. «الدالوة» التي وقفت صخرة صمود وتصد تحطمت عليها قرون خبث الطائفية والإرهاب وضغائنها ومؤامراتها، وبدون عودة إن شاءالله تعالى، بوطنية وحلم وحكمة أهلها، رغم مصابهم الأليم.

ومع كل ما أشرت إليه أعلاه من انتصارات مجيدة حققها الوطن وإنسانه على أسس الإرهاب، الطائفية والتعصب والحقد؛ إلا أننا أخذنا نسمع ومن اللحظة الأولى لمجزرة «الدالوة» المؤسفة، ومن بعض الشخصيات المحسوبة على الوطن، من كتاب ورجال دين، إدانات سطحية وهشة وعلى استحياء، تسبقها أو تتلوها كلمة «ولكن»! وهم ولله الحمد قلة لكن خطرهم كبير جدا، حيث هم يصيغون تبريرات خفية وخبيثة تصب في صالح الأعمال الإرهابية ويبررونها في عقول الناس، خاصة البسطاء منهم أو من يؤيدهم على استحياء أو في الخفاء أو حتى في العلن.

مثال على ذلك؛ قد يُسأل أحدهم عن رأيه في مذبحة «الدالوة» بالتحديد، فيجيب بأنه «يدين سفك دم أي إنسان بريء، حيث حرم الإسلام سفك الدماء إلا بحقها. ثم يكمل: ولكن لا يجب أن ننسى في نفس الوقت أن ندين كذلك قتل وذبح إخوتنا السنة على يد ميليشيات الرافضة الصفويين في العراق وسورية ولبنان واليمن، الذين يذبحون هناك كالنعاج وليس لهم لا ولي ولا نصير». ويؤكد: «أن الرافضة الصفويين هم من يؤجج الطائفية، حيث يوجد هنالك أكثر من 80 محطة فضائية مدعومة من إيران لسب السنة وانتهاك حرمة مقدساتهم الدينية والتاريخية ليل نهار. إذاً فليس من العدل، أن نطالب بمحاربة الطائفية وهم يغذون ويزرعون الطائفية في كل مكان وفي كل وقت! وأن تصدير الثورة، هو مبدأ، تسير ولا تحيد عنه دولة إيران الصفوية وهذا مثبت ومعلن ومشاهد، منذ قيام الثورة الخمينية».

ثم يؤكد تبريره العمل الإرهابي، بإضافته التالي: «كما يجب ألا ننسى أن حقوق السنة حتى في بلادنا منتهكة وحقوق الشيعة محمية ومكفولة، كأقلية بالدفاع عنها، بواسطة أميركا والغرب كافة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، التي تدعي أنها تدافع عن كرامة الإنسان، دون تفريق، وقد ثبت أن ذلك كذب وزور». ثم يخرج أكثر عن الموضوع: «ثم أين أميركا والغرب، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية عن حقوق أهلنا المنتهكة في فلسطين، وخاصة في القدس، الذي تدنسه براثن العصابات الصهيونية النجسة ليل نهار». «انتهى المثل».

هل لدى أحد أدنى شك، أن من يدين مجزرة الدالوة بهذا الأسلوب وعلى هذه الشاكلة أعلاه؛ فعلاً يدين المجزرة؟ بالطبع لا، وهذه لا يحتاج لعالم ليدرك ذلك. بل الأدهى والأمر أنه يبررها وهو يعي أنه يبررها، لا بل ويوجد مخارج لمن ارتكبها، حيث جعل منهم ضحايا بدل أن يكونوا مجرمين، وجعل الضحايا مجرمين، بدل أن يكونوا ضحايا. إنه في البداية مع إدانته لما حدث في «الدالوة» بإدانته لسفك الدم البريء، بشكل عام، في أي مكان، وأخبرنا أن الإسلام يدين ذلك، وكأنه يتحدث لجمهور من غير المسلمين لا يعرفون الإسلام إلا بالاسم لا غير. إذا سواء بوعيه الطائفي أم بلاوعيه الطائفي وزع إدانته على سفك دم كل إنسان بريء، وهكذا تنصل من إدانة الدم الوطني المسفوك في قرية الدالوة والذي تم سؤاله عنه بالتحديد.

ثم أعقب ذلك ب «ولكن» وهي - «ولكن» - للهروب من الموضوع فأخذ يتنقل جغرافيا، ينتقي ويستعرض مظالم تقع أو وقعت، سواء كانت وهما أم حقيقة على السنة في العالم العربي. حيث هرب من مناقشة موضوع محدد لاستعراض مواضيع أخرى غير محددة، قد تبدو مشابهة، وذلك إمعاناً في التهرب من الإجابة، لا الغوص فيها وتفكيكها. فكل قضية ذكرها صاحب المثل أعلاه، تستحق الذكر والاهتمام، ولكن كل قضية على حدة، وعدم خلطها بمواضيع أخرى، حتى يكون النقاش بها جادا ويمكن استيعابه والاستفادة منه. هذا من ناحية الشكل والأسلوب.

أما من ناحية تهافت مضمون ما أورده صاحب المثل أعلاه فحدث ولا حرج، حيث لو استخدم ضده لرفضه شكلاً ومضموناً، وأخذ يتحدث عن العدالة الإنسانية وعدم أخذ أي إنسان بجريرة إنسان آخر؛ وأورد لك الآية الكريمة: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»؛ وتوصيات الرسول والخلفاء الراشدين لجيوشهم، بعدم التعرض للمسالم والأعزل، لا بل وإعطاء الأسير الكافر، نصيبا من زكاة المسلم وما شابه ذلك من قيم إنسانية نبيلة، يطالب غيره بتطبيقها، ولكنه يستثني نفسه وعقله منها.

فلو كان أطفاله القصر يصلون في مسجد في دولة غربية وأتى من يطلق عليهم الرصاص من متعصبي ومجرمي البلد، ويقتلونهم وبدم متوحش بارد ثم أتى من يبرر لهم فعلتهم هذه بأن المسلمين فجروا أبراج التجارة العالمية ومتروات لندن ومدريد حيث قتلوا الآلاف من المسيحيين، وكذلك قاموا بتقطيع رؤوس مسيحيين وسبوا نساءهم وباعوهن كرقيق؛ فهل يقبل مثل هذا التبرير لجزر أطفاله والمصلين الأبرياء؟ إن كان يقبل ذلك سأتفهم تبريره، مع أني أرفضه شكلاً ومضمونا.