آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 6:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

مرجعية لأقلام واعدة

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

تزدحم صفحات التواصل الاجتماعي بالأقلام المتباينة في درجات تقييمها، وهنا لابُدّ من الالتفات لأمر غاية في الأهمية، هو أنه ليس بالضرورة كل ما يتم كتابتهُ ونشره عبر صفحات التواصل الاجتماعي يدخل ضمن دائرة المادة الرصينة المُتمكنة من أدواتها، فهناك ماهو عبارة عن مجرد محاولات وخربشات وبوح ذاتي للفرد، غير خاضع لقواعد الكتابة الاحترافية، وكذلك هناك ماهو إلّا قالبٌ غير مكتمل يخطو في طريق الإبداع ويحتاج لصقل وتوجيه وإمعان في استنهاض الأدوات التي من الممكن أن تنهض به لخارطة التقدم والتمكن من النص، ليتحول ذلك الخديج إلى جنين مكتمل، في طريقه للظهور الحي، أمَّا النوع الثالث فهو مادة قد خلق فيها الكاتب الصورة ورسم المشاهد في لوحة فنية من نص إبداعي بكينونته الباهرة.

إذن.. هذا التباين تحتضنه صفحات شخصية يُديرها أصحابها، لهم قاعدتهم الخاصة من المتابعين، ومن الصعب اختراق تلك المساحة وفرض الوصاية بالإشارة لما يجب نشره أو حجبه، وهنا مكمن الصعوبة في إحاطة المُساهمات والمُشاركات الرقمية بمظلة رسمية للكتَّاب الرقميين سواء فيسبوكياً أو تويترياً وما إلى ذلك من أرضيات البث الرقمي.

وفكرة إنشاء مؤسسة رسمية أو أهلية بظني هو مآل قادم حتماً، لكن دورها هو احتضان واستنهاض همم ذوي المواهب والمُشاركة في صقلها، وتبني الأقلام الواعدة التي لها من الأدوات الناضجة لكنها تفتقر لمساحة الظهور الأوسع، ولذلك اتخذت من مساحات التواصل الاجتماعي بيئة فاعلة ومتفاعلة لعرض ما تجود به أقلامهم، لتتحول هذه المساحات لقنوات إعلامية حيَّة، إذن هي إعلام مُبسط يُحاكي الإعلام الرسمي المقروء في جزء من آليته ألا وهي النشر، إذ أسهمت تلك المساحات الرقمية في إذابة حواجز الرهبة والتردد في عرض المُنتج الخاص بالناشر، لكنها تفتقر للتنظيم المهني الحرفي، ومنخورة ببعض العطب والخلل بسبب تفاوت مستوى الوعي لدى الناشر والمُتابعين الذين لهم دور واضح في قولبة الطرح وتوجيهه.

إذن هي إعلام غير مُنضبط بضوابط الإعلام الرسمي، وما تمتاز به هذه المساحة الإعلامية الرقمية، بأنها ساحة أكثر اتساعاً في الحرية وعدم القيود، وتفاعلية مُباشرة، ومن الطبيعي أن يحدث انفلات من الرقابة، لاتساع رقعتها اللامحدودة وغير المُقيدة، ولعدم خضوعها لمظلة رسمية مُنظِّمة، فتعدد الأغراض التي تتبنَّى ذلك الزخم من المواد المعروضة في الفضاءات الرقمية ولَّدَ ثورة رقمية عارمة تحتدم فيها التوجهات والغايات المُتضاربة في كثير من الأحيان بالأخلاقيات مُتجاوزة الخط الفاصل بين الوعي بالمسؤولية واللاوعي، فاختلط الحابل بالنابل، مابين فئة مُبدعة تتوق للنهوض بموهبتها لمكانة تتبوأها بين مصاف المُنتجين، ومابين فئة لاتعي المُبتذل من غيره، فتُسهم بذلك في نشر الأدب السريع الذي يهبط باللغة والذائقة العامة للهاوية، وهنا تبرز أهمية انخراط المتخصصين والنقاد في الساحة الرقمية لاستنهاض النافع والبديع من الطرح من خلال التوجيه والتقييم والتقويم وبث ثقافة غربلة الإنتاج، فنحنُ في أمسّ الحاجة إلى مواقع مُتخصصة يُشرف عليها ويديرها أكاديميون متخصصون لتتبنَّى وتحتضن الأقلام الواعدة بما تملك من مواهب وإمكانيات، واستنهاض ملكاتهم وصقل مواهبهم بمهنية واحترافية تنهض بالأدب من ساحته الرقمية التفاعلية البحتة.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.