آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 6:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحركة الفائضة ونمطية التعليم

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

مريم أم لطفل في السادسة من عمره، هي غارقة في حالة من القلق وتجاذب الأفكار السلبية، وزوجها له نصيب من تلك الحالة التي طغت على نقاشاتهما الدائمة وشبه اليومية، يبدو أن الأطفال كثيري الحركة والنشاط هم المعادلة الأصعب من تلك المهام التي تُثقل الأبوين ذهنياً ونفسياً، هذا ما صرحا به لأصدقائهما المقربين، فهما ينشدان النصح والفكرة المضيئة التي قد تُنهي هذا العناء، ويرتئيان أنه لابُد من أن يفعلا شيئاً لتصحيح المسار السلوكي النشط لهذا الطفل، دعونا نناقش هذا الموضوع الذي شغل كثيرا لعلَّنا نُقدم ما يخفف من ذلك الشعور غير الإيجابي تجاه هذا النوع من الأطفال.

في البدء لابد أن نضع أمامنا حقيقة ربما هي في حالة تشويش لدى بعض منَّا، وهي أنه ليس بالضرورة أن يكون الطفل كثير الحركة هو طفل غير طبيعي وننظر له كحالة شاذة.

فلربما هذا الفرط في الحركة هو علامة لارتفاع درجة ذكائه، وهذا ما أكده العلماء في التربية والمختصون في السلوك، إذ أن زيادة الحركة لدى الطفل مؤشر لذكاء أعلى من المستوى المتوسط في كثير من الأوقات، إذاً السؤال الذي نطرحه.. كيف لنا أن نُفرق بين الحركة الناتجة عن خلل ما، كخلل في النضج العصبي الذي له أثر على مركز الحركة في جهاز الطفل العصبي المركزي وما بين الحركة المرتبطة بشقاوة الأطفال في إطارها الطبيعي.

تكون الحركة مرتبطة بمعدل ارتفاع الذكاء عندما نجد مؤشرا إيجابيا في مقدرته على استيعاب المعلومات الحياتية والتعليمية وعدم فشله في ذلك رغم حركته المتواصلة، خاصة أثناء تعليم الأبوين له وإنجاز مهامه الدراسية، إذ يسميها الأطباء بمتلازمة الحركة الفائضة، فنجد الطفل لا يسيطر على نشاطه الحركي إلا بشكل مؤقت، ويقترن ذلك التوقف بمنبه سمعي أو لمسي، كأن يزجره أحد والديه أو معلمه مثلاً، وقد يقوم بمحاولة إيقافه بكلتا اليدين، فنجده يستجيب ثم يُعاود نشاطه الحركي مجدداً، لكننا حين نختبر مدى تركيزه وحفظه للكلمات أو العبارات الرياضية على سبيل المثال فإننا نجدهُ مُتمكناً وغير مشتت التركيز ذهنياً لكنه مشتت التركيز مكانياً، فلا طاقة له بالبقاء في وضع ثابت لوقت طويل ولا الثبات على وضعية وتشكيلة جسمانية ثابتة، لكنه لديه مخزون هائل مما تلقاه في العملية التعليمية، على عكس الطفل الذي نجد رابطاً بين فرط الحركة لديه وبين علامات مرضية عقلية في بعض الحالات، فهناك اقتران بين حركته الزائدة وبين اندفاعيته الفوضوية والتشتت الذهني وصعوبة التعلم، ولذلك فإننا نلحظ أن نشاطه خارج عن المألوف، وهنا نلجأ لمختص لتوجيهنا للطريقة المثلى في التعاطي مع تفاصيل سلوكياته في الحياة العائلية والعامة، دعونا نساعد أطفالنا في ممارستهم الحياتية دون توبيخ ودون إيصال إشارات سلبية لهم لكي لا يترسخ في دواخلهم أنهم أطفال ليس لهم قبول اجتماعي، ولنتعامل مع الحالة حسب إنتاجيتها واستقبالها كَمّاً من المعارف، لا تجبروا أبناءكم على الاستذكار بوضعية أنتم تختارونها وبطرق تدريس ثابتة، ودعوهم ينهلون العلم بالنشاط والحركة إن كان ذلك منتجاً ومؤدياً للهدف، ولنبتعد عن نمطية التعليم وجموده مع جيل جديد ارتبط بالتكنولوجيا المتقدمة منذ نعومة أظفاره، وكما نعلم أن الذكاء يضمر ويتراجع في حالة الكبت وعدم المران الذهني المستمر.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.