آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 6:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

الراهن العربي شهوة دماء

ليالي الفرج * جهينة الإخبارية - صحيفة الشرق

الثورة لا تنتمي أبدا لمن يفجر شرارتها وإنما دائما لآخر من يأتي ويسحبها إليه كالغنيمة. هذا ما قاله الكاتب النمساوي ستيفان زويغ، وفي مقاربة لكيف آلت إليه ثورات الربيع العربي التي بدأت أولها مطلع 2011 بدءًا من تلك الشرارة، التي أوقدها الشاب محمد البوعزيزي وبها اندلعت الثورة التونسية، التي أطلقت وتيرة الشرارة في بعض الدول العربية، وعرفت تلك الفترة بربيع الثورات العربية.

فقد تمثلت في نموذج يفتح الشهية لرفع الأصوات المخنوقة بعلو الاحتجاجات الصارخة. والمُطالبة بخلع الفساد المتجذر من أعماق الجسد القابض على حكم تلك الدول، وبكل تأكيد كان للركود الاقتصادي وسوء المَعيشة الاقتصادية التي أثقلت كاهل الشعوب دور بارز لرفع الأصوات المطالبة بالتغيير، فالمثل الدارج يقول «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»، خاصة أن محورية تفكير وتطلعات الشريحة الكبرى من هذا الجيل الفتي نحو قضايا حقوقية بشكل جوهري، وما يُدعِّم ويُزوّد طاقات تلك الشعوب للاستمرار والمضي قدماً، هو تلك النتائج الفعلية التي شهدناها بإسقاط أنظمة وزوالها، وتمثلت في كل من بن علي في تونس ومبارك في أرض الكنانة والقذافي في ليبيا وأخيراً علي صالح في اليمن، وكل ذلك صاحبه خسائر على مستوى النفس وكذلك الاقتصاد لكنه أمر محتوم، فالثورة تُخلف كثيرا من التضحيات، يحصد ثمارها جيل المستقبل من الأبناء والأحفاد، بعد أن يُعبد الآباء ذلك الطريق بما يملك من قدرات في السعي للتغيير، وبصوت جهوري يحمل سؤالاً منطقياً: هل ما أنجزته تلك الثورات قد غيَّر معادلة المُعاناة التي كانت سبباً لذلك التحرك الجماعي المُتكاتف؟

أحد رجالات السياسة اليونان كانت له وجهة نظر عميقة في كشف دهاء اختراق العدو مساحات القادة والشعوب المتكاتفة، وعلينا كيفية تحديد ما يجب الحذر والخوف منه على أنفسنا، فلا ينبغي الخوف من أخطائنا نحنُ أكثر من الخوف من مخططات الأعداء ضدنا، ويبدو أن أعداء الشعوب الواعية على دراية في الكيفية والبقعة التي يؤكل منها الكتف، فحين سقطت تلك الأسماء التي كانت ماسكة بزمام الحكم بدأت تُخترق المجتمعات في ثوراتها الجماهيرية بإشغالها بفرحة عارضة تمثلت في إزاحة أفراد، هذا من جهة ومن جهة أخرى في إجراء خفي ومُدبّر ومحبوك يتم زرع ما يعيق تلك الأهداف المشروعة من إكمال مسارها المشروع في التغيير والإصلاح، ليتحول مسار تلك الثورات لمنهجية العنف الدموي والهادر للدماء المحرمة، وبأقنعة تتلون ما بين حروب أهلية وتناحر أحزاب وتصفيات سياسية، فضاعت الشعوب وتزعزع استقرار الأوطان وغلب السيف اللسان والمنطق، وطفت التوجهات الحزبية بمسارها الواحد وتنحية التعددية الحزبية من دائرة النظام الانتقالي ليبقى الحال مشابهاً لسابقه، غير أن الحال ازدادت سوءاً وتهشيماً للمشهد الإنساني، الذي بدا مشوهاً، حتى بدا امتعاض بعض الشرائح المجتمعية مما آلت إليه، إلى الدرجة التي غدت تعقد مقارنة بين حكوماتها المخلوعة وبين حاضرها الذي يبدو مجهول المعالم ومُظلما في رؤيته المستقبلية. مازالت الأوراق مخلوطة والأمور لم تعد في زمام المنطقية، ويبدو أن المنطقة في حقبة مُلتهبة بعناصر تُصارع البقاء والظهور بلغة تمكنت منها شهوة الدماء والقتل، ظهرت عصابات القتل والنحر والاغتصاب، وبتغطيات إعلامية مرئية ومقروءة ساهمت في إضفاء هالة ضوء الظهور، لتتمكن من أن تسحب البساط بخفة لتصبح رقماً.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.