آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

القراءة النافذة للأشخاص

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

نفر غالبية الناس من عالم السياسة، والسياسيين، ثمة مشاعر سلبية تبعدهم عن ذاك المحيط، الذي لا يجدون في أنحائه إلا بيئة غير صالحة لمسار المشاعر الإنسانية الرطبة المورقة في تساميها مع الشعور، والأخلاق، والصدق، الذي نجدهُ في حالة من انعدامية اللغة الحقيقية.

أغلب السياسيين لا ينطبق عليهم التوصيف الممتد من المعنى لكلمة «السياسي»، إذ نجدها تبتعد بالوصف، الذي يرسمهُ بملامح الإنسان الحكيم، وثاقب الرؤى، لأنه يُمثل قوى عظمى ثرثارة في طرف من أطراف الصراع الملتبس بالمنطقية المصطنعة المتلونة، والمفروضة على الساحة بدهاء، وحبكة، وقد جانبها معيار القيم، والأخلاق، وكأننا بين مادتين، أو عنصرين غير قابلين للامتزاج مثل قنينة محتواها ماء، وهو يمثل الأخلاق، وزيت، وهو يمثل المكر، أو الدهاء، فالزيت يطفو على الماء لزيادة الكثافة، وهكذا هو دهاء السياسيين دائماً في حالة نشطة من الحبكة، والرسم بريشة يغلب فيها اللون الرمادي، الذي يخدعك بنسبة من اللون الأبيض، واللون الأسود في معادلة تعجز عن فك رموزها، أو حتى إيجاد عوامل ربط بين عناصرها، ورغم ذلك يحظون بقاعدة من العامة، تتابع «منطوقهم»، وتعتد به، وتستثمره في نقاشاتهم، وأحكامهم. كم من الخدع، والمكائد، التي تم تمريرها بسلاسة لأفهام العامة؟ سواء على مستوى سياسة دولة من خلال أدوات، وأبواق نافذة، أو على مستوى شعبي، وبعد مضي حقبة من الزمن يكتشف العامة أن كل ما تم حشوه في أذهانهم وميَّل عواطفهم في اتجاه ما، كان بعيداً كل البعد عن الحقيقة، والواقعية، فأوراق التوت لابد أن تهوي، وتسقط أرضاً، فلا مجال للحديث بمنطوق الأخلاق في هذا «السيح السياسي»، ولو حاولنا ذلك لتحول حديثنا إلى فكاهة، تُضحك السامع، الذي يمتلك قدراً من المعرفة بحقائق هذا المجال، وتوصيف الحال بالجهل، وضحالة العلم، أما كيف لنا بتصنيف، وفرز الحقائق، ومعرفة ما يجب معرفته، والمحاذرة من الوقوع في شباك الخدع، والمكائد السياسية، التي قد تؤدي بنا إلى مسار يبعدنا عن الواقع، ولا يتم اكتشاف الأمر إلا بعد فوات الأوان، وربما يظل في طي التاريخ دون أن تُكشف الأوراق المطوية، فهذا ربما يحتاج إلى قدرات استثنائية، مثل المقدرة على الاستبصار، والتنبؤ، والقراءة النافذة للأشخاص، والأفكار، والأحداث، فالحاسة السادسة هي الجندي القادر على مكافحة هذا السلاح المدمر لعقل، وروح الإنسان، الذي يكون هو الضحية لكل تلك البهرجة، التي تمرر أجنداتها بطرق متنوعة، وخادعة، وماكرة. «رودلف تستشنر» العالم الألماني، لم يكن الوحيد الذي تناول «الحاسة السادسة» في دراسته في أوائل العشرينيات، فقد تلاه من العلماء مَنْ ركزوا في دراسات جادة متمعنة فيها.

وكحقيقة، كثيرٌ منَّا في تعاملاته مع الآخرين يشعر بذلك الجسر، الذي يوصل بذهنيته، وتفكيره نحو مساحة من التحليلات، والمشاعر غير المطابقة لواقع الحال الذي يعيشه، فهل صادفكم أحد الأفراد الذي يظهر بصورة ملائكية في التعامل، والأخلاق، وتقديم يد الخير بيمينه، بينما تكتشف بعد فوات الأوان أنه يقبض بيده اليسرى على كوم من الشر، والسعي بالضرر لك؟

وهل خالجك شعور خفي دفعك إلى القول في قرارة نفسك: لماذا، رغم عطاء هذا الشخص، مازلت أشعر بحيرة في تفسير ذلك؟! وكأن هناك سبباً آخر قد ضمره لك في أعماقه، ليهوي بك إلى منحدر الضعف، والفشل، والانكسار. هل ذلك الشعور هو ما يُسمى بالحاسة السادسة؟ وهل هي حقيقة أم فلسفة لا وجود لها البتة، أم إنها كما قال العلماء حقيقة تتكوَّن مثل جزء من الإنسان، وتخلق معهُ، وتصاحبه في مراحل حياته، تُمكِّنه من الاتصال بعالمه الروحي حين يتخلص من مادية الجسم لسمو الروح، فتحركنا لعالم اللا محسوس، واللا ملموس، لينتقل لنا ذلك الحدس الخفي، كما يقوم الإلكترون بنقل المعلومات عبر الأجهزة مثل التلفاز، وغيره من الأجهزة الكهربائية في نقلها المواد المعلوماتية. يبقى الأمر مقلقاً، وحله هو الابتعاد عن ضجيج الغموض في عالم السياسة، والمكر أينما حل.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.