آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

القانون المُصلح الأقوى

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

مما لاشك فيه أن المواقف الرسمية المعلنة للدول، وتصريحات المسؤولين التي تُبث للعامة فيما يتعلق بالقضايا التي تشغل الرأي العام على المستوى المحلي، وتثقل المواطن بأعباء البحث عن الحلول والمطالبة بتسوية الأمر من الجهات الرسمية، نجد تلك المواقف والتصريحات تأتي في مقدمة السياق الممَزِّقْ لكل زوبعة في بداية انطلاقتها؛ إذ إن محاولة ترشيد التصادم في الممارسات الناشئة من اللاعقلانية، والنجاح في بناء جسر قوي لعبور الأزمات التي ربما تتفاقم بسبب جهل وتهور وتطرف البعض سواء على مستوى تعاملات الأفراد كتصرف يمثل نفسه أو يمثل جهة رسمية في الدولة، وفي كلتا الحالتين لابُد من تقنين القضايا الهادفة لتمزيق المكون الاجتماعي الوطني في الدولة، وعدم تعليقها دون معالجة كاملة، فيستغل ذوو النفوس غير العابئة بقوام العدل والاستقرار الاجتماعي، فتُفوت عليهم الفرصة بالتدابير والآليات المناسبة التي تسهم في الاستقرار.

وضمن التحولات التي تشهدها المنطقة من تأزمات أمنية بات من الطبيعي أن تستغل بعض الجهات الخارجة عن دائرة المواطنة الحقيقية للنخر في جذور المكوِّن الوطني الذي هو رغم تنوعه إلا أنه يصب ويلتقي في مصب واحد وهو الانتماء لوطن واحد، فليس من الوعي أن تُسلب من أي فرد الحقوق المدنية التي تقرها قوانين الدولة لكل مواطن، أو أن يُشكك في انتماء الأفراد لوطنهم لمجرد عدم الاندماج الفكري أو الاختلاف المذهبي والولوج في الضمائر وإطلاق الأحكام جزافا؛ لذلك فإنَّ العامل الحاسم الذي يمكننا التعويل عليه هو إقرار قانون ببنود واضحة ومُفعَّلة يجرم فيه كل من يسعى للتفريق بين المواطنين بسمومه المتطرفة ونظرته القاصرة الطائفية، ولا يمكننا إنكار الحقيقة التي يقرها الواقع الذي يشهده القاصي والداني من استشراء اللغة المتطرفة التي يكسوها العنف اللفظي والازدراء القيمي، واللعب على وتر التدين بالمذهبية، وفي الوقت الذي احتلت قضيتان في ذات الفترة وبنفس النكهة الطائفية يظهر لنا تصريحان من مركز القرار، الأول من الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع، فيما يتعلق بالتحقيق مع أحد العسكريين بسبب تغريدة نشرها عبر حسابه في تويتر، نال وتطاول وهدد فيها مكوناً من مكونات المجتمع السعودي، فكان موقفهُ واعياً وحازماً ومُقلصاً لمساحة من التفاعل التي قد تُفرز ما لا يُحمد عقباه، فتصحيح الأخطاء والتجاوزات بإجراءات فورية وجادة هو ضربة تهز وتقتلع جذور العبث المتشظي، أما التصريح الثاني فصدر من وزير التعليم حين أصدر قراره بالتحقيق في قضية نقل المعلمة على خلفية مذهبية، وكلا القرارين يحملان من الإنصاف وإيصال رسالة تبث «لا للعنصرية وشق الصف»، وأن جميع المكونات الوطنية من المفترض أن ينالوا حصة متساوية من الحقوق وكذلك الواجبات، وليس لأي أحد أن يشرخ تلك القاعدة وينتزع الحقوق من أصحابها، فمن الضروري أن تتضافر الجهود ابتداء من المواطن البسيط ووصولاً إلى القيادات وأصحاب المراكز القيادية ولا يُستثنى الإعلام من تلك المهمة، التي تصبو لرص الصفوف وتوحيدها وخمد أجواء الكراهية والمشاحنات في وطننا، وتفويت الفرصة على كل من يتربص بالاندساس عبر ثقوب الفرقة والوهن.

كل الأمل أن يتجاوز الوطن هذه الظاهرة من خلال سن القوانين وتطبيقها بحزم على الجميع دون تفريق، فالقانون هو المصلح الأقوى والأسرع في تقويم أي اعوجاج في العلاقات والتعاملات التي تتسم بالحضارية بين الشعوب.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.