آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

سيكولوجيا التأثير

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

لا يمكن أن يكون الصدق صدقاً، حتى يُصدِّقك الآخرون، هذا ما يراه بيل بيرنباش، لذلك يحرص خبراء العلاقات العامة في مجال الإعلانات بوضع اللمسة المفعمة بالإيجابية على الإعلان التسويقي عن أي منتج، ولكي يتسم بقوة التأثير لابد أن يتخطى وسائل التسويق التي تنتهج الإصرار في السيطرة على عقل المستهلك بطريقة ترويج ما لا يتطابق مع المواصفات الحقيقية لذاك المنتج، فرغم أهمية تفخيم الكلمات والعبارات الإيجابية في محتوى الرسالة الترويجية، فكذلك تبيان عيوب المنتج وجوانبه السلبية يضفي على تلك الرسالة صدقاً وواقعية، ولرؤية مؤلفي كتاب «خلف الرادار» جوناثان بوند وريتشارد كيرشينبوم استنارة جيدة بهذا الخصوص، يريان بأن لكل مستهلك من العامة جهاز رادار خاصاً به يعمل بدافعية لاكتشاف مقدار مصداقية ما يُقدم له من رسائل إعلانية، والصدق أداة فارقة في سيطرتها على هذا الجهاز، وينطبق التوصيف على أجهزة الإعلام بأنواعها.

والسياسيون والشخصيات المؤثرة، التي تربطهم بجمهورهم لغة الخطابة والتواصل اللفظي، فأن تكون مؤثراً وتتمكن من إعادة صياغة الأفكار لدى الآخرين، وأن تنجح في صناعة حاضنة القبول لدى المتلقي، هي مهمة تحتاج لمهارة نجدها تنعدم عند الفئة التي تمتلك من الشحنات المنفلتة والمتضاربة، وغير المُؤثرة بفطنتها المُقنعة، وهذا ما تنبه له شكسبير في مقدار قوَّة الافتتاحيات المقنعة التي يبدأ بها عرضه، فالافتتاحيات ومداخل الحديث، إمَّا أن تُثير الجمهور وتشد انتباهه وتفتح قريحته لتلقي المحتوى، والرسالة التي يُرغَب أن تصل إلى الطرف الآخر، أو العكس تماماً، وذلك لا يتم إلا في حالة واحدة وهي أن يملك زمام آذانهم ليجبرهم على الإصغاء بتمعن، فينجح في تعزيز مصداقيته عند جمهوره. لذلك يفطن خبراء هذا الجانب مهارة إماطة الغموض عن سيكولوجيا التأثير، التي لا يدرك شعابها إلا الموغلون في تفاصيل فنونها الدقيقة جداً.

وفي استحضار لذاكرة الشعب البريطاني التي لن تغيب، يتجلى أنموذج شاهده وتابعه كثيرون ممن هم خارج حدود بريطانيا، لقد فتت الجمود الذي طغى على ما عرفته العائلة المالكة البريطانية، في بروتوكولاتها الجامدة، والاحتراز والمحاذير التي طغت على الصورة التي يظهر بها أفراد العائلة الحاكمة، إنها الأميرة الجميلة في إنسانيتها قبل شكلها، الأميرة ديانا - زوجة الأمير تشارلز - التي خطفت الأضواء وهالة الظهور من أفراد العائلة الحاكمة، ليتوجها الشعب بأميرة القلوب، فرغم استياء العائلة غير المعلن، إلا أن صدقها الإنساني جعل منها تنبش في وجوه البؤس والضعف لتقف بالقرب، دون هوادة وتردد، لم تدفعها فتنة جمالها من أن تنغمس في عالم الظهور الأنيق في كل الأحوال، لكنه الانتقاء والتنوع في الحضور، مابين أناقتها وحضورها الرسمي، وظهورها الإنساني ومحاكاة المحيط الذي تلبي نداء قلبها إليه، وتسخير إمكاناتها المادية والسلطوية في تذليل العقبات، التي تفصل وتعزل مرضى الإيدز والسرطان وضحايا الألغام. كانت أكثر قرباً منهم، ولم يمنعها كونها زوجة الأمير من معانقتهم وتقبيلهم ومخالطتهم المفعمة بالحس الإنساني، ولم يعزلها الطمع والجشع في الثروة عن تخصيص مئات الملايين من الجنيهات للفقراء وذوي الظروف الصعبة. 

وكان لرحيلها عن الحياة بذلك الحادث الغامض، أثر بالغ على الشعب البريطاني وغيرهم من محبيها، وتذكر إحصائية أنه بلغ عدد المشيعين لجنازتها ما يقارب 2 مليون شخص، أما عدد من تابع مراسم التشييع عبر التلفاز 2.5 بليون، وهذا ما أدهش طليقها الأمير تشارلز من ردة فعل محبيها بأعدادهم الهائلة، فكان لتلك الصورة الصادقة رسالة قوية الأثر في التأثير عليه، وهذا ما دعاه لتغيير صورته في عيون شعبه، وإزالة صورته الجامدة التي رسمها له الشعب، وهذا بعد أن ظهر بصورة المتأثر بنهجها في رعاية المرضى والضعفاء، ونختم حديثنا «كُن صادقاً تكن مؤثراً».

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.