آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 6:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

إدارة الذاكرة والاختبارات المدرسية

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

يتزامن هذا المقال مع الاختبارات النهائية لدى معظم مدارس التعليم العام، ولعل قضية التذكر مقابل النسيان تعتبر من أهم وأكثر القضايا التي تحاول كثير من الدراسات في سبر أغوارها وتقصي العوامل التي تؤثر فيها كقدرة ذهنية؛ إذ تُلاحَظ كثير من مظاهر القلق وتداعيات النسيان عند الكثيرين، ما يجعل البحوث التربوية ودراسات علم النفس التجريبي تهتم بموضوع التذكر والترابط والتداعي، ولهذا يقوم المتخصصون باستخدام مجموعة من الطرق التجريبية لقياس كمية التذكر، ومحاولة الإحاطة بأوسع دائرة من أسباب ضعف الذاكرة لمعالجة أي قصور في مرحلة الاسترجاع، وقياس سعة الذاكرة وفحص دور استراتيجيات إدارة الذاكرة، وزيادة معدلات قدراتها في عملية التذكر والتعليم.

ويؤكد المتخصصون في هذه الدراسات أن تطوير قدرات الذاكرة يعد الأداة الرئيسة في تطوير بقية القدرات والمهارات لدى المتعلم.

ومصطلح الذاكرة يشير إلى قدرة الفرد على إدخال المعلومات وتسجيلها وتخزينها واسترجاعها عند الحاجة، ويتم استرجاعها إما بصورة رمزية عن طريق اللغة، أو بصورة حسية مادية، أو بصورة شبه صورية.

والذاكرة كغيرها من القدرات العقلية لدى الإنسان يمكن أن تنمو وتتطور بطرق كثيرة منها: التكرار، والتدرب على مهارات التفكير، وتدوين المعلومات، كما أن هناك بعض الأدوية والعقاقير التي تسهم في تحسين عملية التذكر، وفي المقابل يمكن للذاكرة أن تضعف وتترهل وتتدهور وتخبو بسبب: الإجهاد والاكتئاب، والضغط النفسي، وعدم التغذية الجيدة، وأيضا بسبب بعض الأمراض العضوية.

وما سبق يمكن أن يكون بمنزلة الإطار العلمي لحديثنا الذي قد يأخذنا إلى التراث التعليمي العربي كمثال إلى محاولة التعاطي الإيجابي في مسائل إدارة الذاكرة.

ومن ذلك كتابة المعلومات في قوالب منظومة شعرياً، وإن كان النقاد لا يقرون بأنها ليست سوى نظم بغرض التعليم، وليست من الشعر كفنّ له تعريفاته وأنساقه. وتعتبر الأراجيز من أهم الوسائل في هذا المضمار؛ حيث تكتب أرجوزة في النحو كما فعل ابن مالك صاحب الألفية وهو محمد بن عبدالله بن مالك الطائي، حينما كتب متناً يضم غالب قواعد النحو والصرف العربي في منظومة شعرية يبلغ عدد أبياتها تسعمائة وثمانية وثمانين بيتاً على وزن بحر الرجز، وهي من أشهر المتون النحوية المنظومة؛ حيث مال إلى شرحها أكثر من شارح من علماء النحو واللغة. وفي مثل هذا الاهتمام كتبت أراجيز أخرى في علوم الفقه والمنطق وغيرها؛ وبلا شك فإن الطبيعة البشرية تميل للمؤثرات الجاذبة، ومن ذلك المؤثر السمعي الذي أثبت تأثيره في تسجيل المعرفة وأرشفتها من خلال تقنيات التكرار لتسجيلها فيما يعرف بالذاكرة طويلة المدى.

ومن الطريف في هذا الشأن أني وجدت معلماً يحاول مقاربة مثل هذه المؤثرات السمعية المنظومة، ولكن في مادة الكيمياء للصف الأول الثانوي؛ حيث كتب مثلاً: «ليثٌ رَوَى بِتَيسِنا، كالسُّمّ صادَ الغنما»، ضمن محاولاته في محاكاة فن الأراجيز التعليمية، ولكن هذه المرة في الكيمياء، فهو يقول: ليثٌ، ويقصد عنصر ليثيوم، رَوَى: ويعني روبيديوم، بتيسنا: ليشير إلى البوتاسيوم، ثم كالسُّمّ وهو الكاليسيوم، وبعدها يقول: صادَ، ويقصد الصوديوم، الغنما، ويعني المغنيسيوم، وهو إلى بقية هذه السلسلة من العناصر التي يتطلب ترتيبها في هيئة معينة تشمل سبعة عشر عنصراً كيميائياً، كما يحاول في سياق آخر أن يوظف الربط بالعبارات، فمثلاً، يكتب عبارة: «فِلْ كُل بريدْ»، ليجمع مجموعة ما يصطلح عليه كيميائياً بمجموعة الهالوجينات؛ حيث يرتب عناصر المجموعة كما ترد فيما يعرف لدى ذوي العلاقة بالجدول الدوري، وحين يتم تفكيك العبارة، فإن كلمة فِلْ: تعني عنصر الفلور، وكلمة كُل تعني عنصر الكلور، والمقطع الأول من كلمة بريد، وهو بر يعني عنصر البروم، وأخيراً المقطع الآخر وهو يد ويقصد به عنصر اليود.

وهكذا تبقى محاولات الاهتمام بقضايا الذاكرة والتذكر محطّ اهتمام الكثيرين الذين يعتقدون أن فنّ إدارة الذاكرة هو أول الطريق إلى سلّم الإبداع، ودعواتي بالنجاح والتفوق لجميع بناتنا وأبنائنا.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.