آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 9:59 م

يا من فجرتَ مسجد القديح.. فجّرتنا جميعا

نجيب الزامل صحيفة اليوم

هذا الذي حدث في القديح، وأسال الدماء الآمنة في مسجدٍ من مساجد الله، بيتٍ من بيوت الله، آمن وأطهر بقاع الأرض، الذي أحزن البلاد، وروّع الناس، وخلع القلوب، واستدر الدموع، وفي صلاة الجمعة الجامعة الفضيلة.. لا يمكن أن يكون عملا إنسانيا، بله أن يكون دينيا.

لا يمكن لمؤمن يدخل مسجدا بأي مكان على البسيطة، إلا ويغمر قلبه الخشوع، ويستسلم لدين الإسلام ذلك الذي يأخذ مشاعر المسلم مباشرة للسماء، والقرب من خالق السماء، فينفيه عن كل رغبة وعاطفة دنيوية، ما عدا هذه العاطفة العُليا التي تربط المخلوقَ بخالقه.

هذا التفجير باللحم الحي في وقت التواصل مع الله تعالى والخشوع بالإيمان الذي يملأ قلب المؤمنين، لا ومليون لا.. لا يمكن أن يكون دينياً، ولا بأي سببٍ ديني مهما كان. ولن يقتنع واحدٌ عاقلٌ على الأرض من المسلمين ومن كل دين ومعتقد أن هناك ديناً أو تعليمات دينٍ تسمح أن يُفجَّر باللحم البريء الحي، فضلا أن يؤجر عليه.. ومن العبث ومن تقليل العقول المسلمة المؤمنة أن نحاول أن نثبتَ أن الإسلام بكل شرائعه يحرم ذلك تحريما قاطعا مطلقا.. بل لا يجوز عقلا ومنطقا أن نحاول إثبات ما هو ثابتٌ بذاته.

بالأمس تحولت قاعة الملك عبدالله بالقطيف، إلى مستشفى موقعي، كمستشفى ميادين الحروب، والموت يحوم على الجرحى النازفين من الجروح العميقة النازفة، والأشلاء تتساقط منهم.. لماذا؟ لماذا؟ من يقول لي لماذا؟ آه يا ربي كل هذا الحزن، كل هذه الدماء، كل هذا الرعب.

بالأمس الدم شحيح، والأجهزة التي تنقل الدم شحيحة ايضا مع أن أحدا لم يبق في المحافظة إلا وذهب يتبرع بدمه، ولو طلبوا منهم أكثر من الدم لقدّموه. وتجمعت كل كوادر القطيف الطبية، ووصل من الدمام والخبر الأطباء والممرضون المتطوعون.

كيف أقول لكم إنه في وسط الدم، ودوامات الظلام، تبزغ نجوم تضيء الأجواء الكالحة المريعة، نجوم التكاتف القوي، أمواج من الأحزان والدعاء من كل مكان وكأنهم معهم في وسطهم، هم أهلهم، أخواتهم وإخوانهم.. ولما نقلوا الجرحى لمستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام ثار العمل كسيل، كطوفان عملي عاطفي.. حتى أن التغريدات صارت لا تستمهلني من مستشفى الملك فهد: «أين أنت؟ أعد تغريداتنا بطلب التبرع بالدم». وتقع عيني على تغريدةٍ عابرة من فتاةٍ بطلة اسمها بشرى القحطاني تقول: «الآن بطلع مع خواتي لنتبرع». بل إن البطل خالد عمر الضويان بتغريدة يقول لي: «شروطهم تعجيزية، رفضوا تبرعي لأني مسوي حجامة من أربعة شهور، ويطلبون أن يمر عليها سنة!» انظروا خالد يشتكي حزينا لا لأمرٍ مصلحي له، بل لأنه يريد أن يهب دمه لإخوته الذين يحتاجونه.

نحن أمةٌ واحدة رضيَ من رضي، وأبى من أبى. نحن أهل واخوة رضي من رضي، وأبى من أبى. نحن نحزن جميعا لكل مصاب يحل بأي مكان بهذه البلاد، رضيَ من رضي وأبى من أبى. نحن سواسية عند الله، رضيَ من رضي وأبى من أبى. ثم من عاهل البلاد مباشرة نحن سواسية عنده، رضيَ من رضي وأبى من أبى.

اليوم دموع، وغدا يعدنا الله بيوم جديد.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ام راكان
[ ---- ]: 25 / 5 / 2015م - 9:14 ص
طاب قلمك استاذي