آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

قتلتُمُ الصّلاةَ في محرابِها

ليالي الفرج *

/ يُمَّهْ، آسفْ / نَامِي وَحْدِچْ / آنا هذا اليوم عند الله أنامْ،، / ولا تِحَاتِيني يَيُمَّه / ما كًو إرهابي يفجّرْنا بقنابلْ،، / ماكو وَرْدْ الليلةْ من الخوفْ ذابلْ،، / كلنا يمّ الله بسلامْ / ما أريدْ أرجعْ بعدْ للدّنيا، آسفْ،، / گلبي يا يُمّهْ حمامةْ / والأرضْ مو للحمام،، /.. مثّلتْ هذه المقطوعة الشعرية التي جاءت في لغةٍ شعبية دارجة، ولكنها مشبوبة بمعاني فجائعية لا يمكنها أن تغادر القلب إلا واللوعة والألم يعتصران من يقترب من المشهد؛ فالشاعر علي الصايغ راح يتصور الطفل الشهيد، أو عصفور الجنّة البديع حيدر المقيلي، الوجه المنير والطلعة البهيّة التي افترستها أنياب الشر والإرهاب البربريّ الحاقد، واغتالته الوحشية التي تغلغل بين جوانحها الفتك وضرب قيم الإسلام والمحبة والسلام.. واستشهد حيدر بعد أيام معدودة من تخرّجه من أولى مراحل التعليم ما قبل المدرسي.. حيدر هو حكاية الطفولة التي أبكت زينب، وعلي، وجميع الأطفال الذين صعقتهم فاجعة الجمعة الدامية التي استشهد في صلاتها 21 شهيداً في بيت من بيوت الله هو مسجد الإمام علي بن أبي الطالب ، بسبب الجريمة النكراء والعمل الإرهابي الجبان الذي جرت فصوله على أرض مدينة القديح، ذات البساتين التي يأرج فيها شجر الرازقيّ والورد والمشموم، وينفح في فضائها الليمون، مع باسقات النخيل التي تكاد سعفاتها تنقش الكرم المضريَ على كل عذوق ثمارها؛ إذ هي تربة العطاء والتكاتف والمحبة، كما هو الحال في باقي مدن وبلدات المنطقة ذات الوجه النضير والحضور البارع في مقامات التميز والإبداع والإنجاز.

يأتي هذا الحديث الإنساني الذي تتشعب منطلقاتهوسط بلد مكلوم وأمام رزية مفجعة، فيما تتوزع أبعادهالمشجية وآلامه المدمية في مديات الأفق، وتبرز مجموعةقواسم مشتركة لتجمع كل ذلك ضمن إطار يحمل شؤوناً ويتأّوّه شجوناً، ويمكن أن ننتقل عبره إلى محطة مهمة يأتي في مقدمتها سؤال لا مناص من طرحه، عبر التمهيد والإيضاح القادم.

قبل ثمانية شهور، كانت هناك واقعة مماثلة، وهي الجريمة الإرهابية في بلدة الدالوة العزيزة في محافظة الأحساء العزيزة، والتي أُشبعت حديثاً، بل وما زالت مآلاتها محلَّ اهتمام لدى الكثيرين، ولعل أهم ما أفرزته تلك الواقعة هو الالتفات إلى ما يراد من فتنة تسعى لضرب ركائز الوحدة الوطنية عبر نشر ثقافة تكرس خطاب الكراهية والسعي إلى استغلال ضرب تماسك المكونات الوطنية ومحاولة تأجيج لغة العنف الطائفي عبر خطط فئة مارقة خرجت عن كل القيم والمبادئ وتجاوزت على الآمنين الذين عُرفوا بحبهم لبلادهم وعشقهم لأرضهم، فيما جاءت توصيات جميع المهتمين بالشأن العام أو الشأن الوطني بضرورة وضع نظام لتجريم كل ما يتسبب في إثارة العناوين الطائفية ونتائجها الخطرة من خلال الترويج لمفاهيم الشحن الطائفي، ومحاولة جر الفتن للداخل من خلال وسائط التعبئة الإعلامية من قنوات تستضيف بعض طلبة العلم وبعض المشتغلين في الدعوة أو الأكاديميين في بلادنا للتعريض بالطائفة الشيعية تارةً وتكفيرها أو تهديدها تارة أخرى، وهذا واضح لكل راصد موضوعي، كما أن بعض الصحف لها ممارسات تأتي ضمن هذه اللعبة القذرة التي تحاول إشعال فتيل العناوين الطائفية دون حساب ولا عقاب، مثلما حدث من بعض صحف المنطقة قبل نحو شهرين من الآن، وهو الأمر الذي ينظر إليه العقلاء بأنه معول هدم خطير وخروج على النظام الأساسي للحكم الذي يمنع المساس بكل ما يضر بالوحدة الوطنية.

إضافة إلى أن هناك مطالبات مستمرة ناقدة لإيقاف ومعالجة بعض المناهج التعليمية أو الكتب التي تطبع وتوزع في الوقت الذيتحتوي على بعض المضامين التي لها أبعاد تطعن في المكونات الوطنية الأخرى؛ مما ينشر الفكر المتشدد الرافض للآخرين المختلف معهم، وبتراكم مثل هذا الفكر الإقصائي، تنشأ وعبر الحواضن الفكرية السلبية والمنابر المشجعة على تكفير أو نعتهم بالضلال والبدع؛ ما يقود إلى حالة فكرية مأزومة يكون من نتائجها ما حدث في الدالوة قبلاً، والآن في القديح.

والسؤال هنا: لماذا لم يتحقق من التوصيات التي قدمت منذ الدالوة ولو بعضها؟!، مع أنّ الأستاذ محمد رضا نصرالله أشار في حوار متلفز إلى ما مجمله أنه وستة أعضاء في مجلس الشورى سبق وأن تقدموا بضرورة وضع نظام يجرم كل ما يتسبب في البعد الطائفي، من تحريض لا يزال على المنابر الرسمية وفي الصحف والمواقع الإلكترونية، وفي صفحات بعض الأسماء التي لها علاقة بالدعوة أو طلب العلم، وأرجع حالة التراخي في دراسة ذلك إلى الحالة البيروقراطية في مجلس الشورى، وهنا ألف إشارة استفهام نضعها أمام هذه الحالة من التراخي، كما استغرب أبناء المنطقة من اختراق هذا الإرهابي لكل نقاط التفتيش الأمني التي تطوق المحافظة.

يتفق الجميع على أن الوضع خطير جداً، ولا بدّ أن تكون هناك إرادة حقيقية للحفاظ على جميع المكونات الوطنية ومكتسبات الوطن، فهل من تلبية قريبة للمطالبات المشار لها؟

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.