آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 8:50 م

رسالة لابننا عبدالجليل الأربش

نجيب الزامل

عبدالجليل، حبيبي:

هل تصلك رسالتي يا عبدالجليل؟

هل أصابني مسٌّ في عقلي، فأكتب إلى ميت؟

لا، ليس في عقلي مسٌ ولا جنون.. فأنت الحيّ، ومن قتلوك هم الأموات.

أسأل الله أن تلتقي مع والدَيْك وأحبابك في الجنان، حيث لا فراق ولا أحزان.

كم كنت أتمنى لو سألك مفجروك.. ليس فقط الواحد الذي أوقفته ففجرك، فأنقذت مئات المصلين، بل مئات الأسر في حياتهم ومصيرهم. أنت، عبدالجليل، بطل حقيقي تملأ سماءَ البلاد كأسطورة الفداء، فأعدتَ الشهامة والبطولة الحقيقيتين اللتين حسبناهما مضتا مع عصر لا يؤمن بالأساطير، ولا ببوارق الاستفاقة العاطفية، والصدق في المبادئ، وفي الفداء بالروح عن الجميع. نعم في عقلي ذهول وفي قلبي ألم فبعدت عن القصد وملتُ قليلا. كنت أقول لو سألك مفجروك - لأنك تعلم أنهم ليسوا ذلك الواحد المسلوب الوعي - هل تحب الله؟ هل تحب خالقك وخالقهم؟ لا، طبعا لم يسألوك لأنهم قرروا أنك لا تحب الله، هم وليس أنت، وقرروا أنك خائن هم وليس أنت.. بينما كنت بعمر بواكير الزهور تلثم التراب الذي عليه ولدت وفيه نشأت ودفاعا عنه قُتلت.

إذن من يحب الله حقا؟ ومن الخائن حقا؟ أنت تعرف الجواب وأنا وكل ذي عقل وإيمان. يبقى أن من قتلوك لا يعرفون، ولا يريدون أن يعرفوا. همّهم وعقيدتهم الولغ بالدماء، وسلب عقل وأرواح الصغار المعجونين بتعليماتهم وتوجيهاتهم، ليتفجروا أشلاءً، والمخططون في الظل آمنون.

ليتك عبدالجليل تخبرني كيف انتقلت للسماء، هل ظللتك أجنحة الملائكة؟

رغم عظم الفادحة إلا أن نورك سحب ضياءه على كل البلاد. تحتاج الشعوب أحيانا لصفعات الكوارث للاستيقاظ على الواقع الحقيقي العادل، وأحيانا حبيبي عبدالجليل تكون صفعاتُ المصائب - للأسف العميق - الطريق الوحيد لتعديل ما مال في ضميرهم وعقولهم وقلوبهم. الآن وعينا ليس فقط على الكراهية التي سرَتْ في العروق كما يسري السمُّ الزعافُ من عقربٍ خبيث يتخفى بتراب، بل وعَيْنا وقلوبنا تنخلع من الأبدان، بأن الكراهية لم تعد معنى مخبأ أو ظاهرا في الصدور، بل صار تفجيراً حقيقياً بلا رحمة ولا حس من الإنسانية ومن ضياع عقلي تام باللحم الغض الحي. تفجيران متتابعان روّعانا، وأقضّا مضاجعنا يا عبدالجليل. وعلى من؟ على ناس هم نحن، ونحن هم. قد لا تعرف يا عبدالجليل أني أُدعى وأحضر دوما في القطيف وضواحي القطيف، وأجد الترحيب والحب الحقيقيين، وأجد الفكرَ الراقي، وأجد الابتسامات التي لا تغيب عن المباسم، والألفاظ التي تتطاير كنفح الورود. قد لا تعلم أن شباب القطيف يصرون على مجيئي لأمثلهم في حفلاتهم ومناسباتهم. هل غفلوا يا عبدالجليل أني سنّي ترجع جذوره للقصيم؟ لا طبعا لا ينسون ذلك. لما ذهبت يوما متكلما في لقاء بعنيزة وهي كما تعلم من حواضر القصيم، أعطاني الشيخ حسن الصفار رسالة حب لأهل القصيم لأنه زارهم قبل ذلك واحتفوا فيه احتفاء جعله يكتب تلك الرسالة التي سماهم فيها بأهل التوحيد.

يا عبدالجليل، من فجروك ليسوا منا، ليسوا من القاعدة الكبيرة من الشعب السعودي، ولا من شعوب الخليج، التي هي مثلنا بصمةً وجيناتٍ.. إنهم مجموعات بعدوا عنا ونأوا. لسنا أهل دم، نحن مسالمون ومتحابون، إلا هم ومن مثلهم الذين لا يريدون أبدا الخروج من أماكن تحت الأرض حيث فقط الظلام، والخوف من النور.

يعزونك في بيتك الصغير حبيبي عبدالجليل، وأنت بإذن الله في البيت الأوسع.. في الملكوت الأعلى.

أنت عندي حبيبٌ، حبيبٌ، ليس في ذلكَ كلام

حبيبٌ، حبيبٌ، حبيبٌ.. والسلام.