آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفكر الإرهابي: صناعة الموت مقابل الحياة

ليالي الفرج *

أخذ تنامي ظاهرة الإرهاب صوراً سوداء وأبعاداً فاتكة في المشهد العالمي، وفي بلادنا يحاول مجون الإرهاب أن يقوض ويستهدف أمن البلاد والآمنينمن خلال موجات العنف والتفجير الماديّ الإرهابي الفاجر، وحينما نتدارس هذه الظاهرة نجد أنها تعود إلى مموّنات فكرية وإلى فكر يصنعها ويحتضنهاويغذيها ثم ينشرها بمنهجية وخططية تحتاج استعدادات ذات قدرات واسعة على المستوى الفكري كما هو الحال بالنسبة للقدرة على تدمير هذه الظاهرةكلياً بالمفهوم الأمني أوالماديّ. ومجملاً يأخذ الإرهابي في هذه التوليفة دور الأداة المنفذة فيما يقع الجانب التنظيري على الحاضن الفكري الذي أنتجه وساعد على نشره وترويجه بأساليب تحاول ضرب مفهوم صلاح ذات البين الذي يأتي ضمن آفاق الدولة المدنية المعاصرة تحت مفهوم السلم الأهلي والاجتماعي. وفي الشواهد القرآنية يتأكد هذا المفهوم كما في قول الله تعالى: «وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ»، إضافة إلى ما تلهجبه السنة النبوية الشريفة من نصوص ترسخ حتمية تحقق السلم الأهلي، ومن ذلك ما تعبر به بعض النصوص مثل الحديث النبوي الشريف: «صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»، وغير ذلك من الشواهد التي تحرص عى توفير أعلى مستويات الأمان والوداعة والخير والرفاه داخل المجتمع الواحد بكل أطيافه ومكوناته الفكرية أو المذهبية.

ولكن الفكر الشيطاني الإرهابي لا يفتأ أن يبحث عن أدوات خبيثة وحيل ماكرة مستغلاً تارةً عدم توفر النضج لدى بعض المراهقين الذين ليس لديهم الوعي الكافي لتشخيص المآرب، ولا سيما أن البرمجة الخبيثة لتفخيخ عقول الفئات السنية الناشئة قد تتغلغل في التعليم والمناهج ووسائل الإعلام مع التحولات المعاصرة في مخرجات وتقنيات الإعلام الحديث وقدرات النشر الإلكتروني التي تتنوع أدواتها وتقنياتها النصيّة والبصرية، وربما تتلبس هذه الوسائل تحت بعض البرامج الشبابية، وكمثال مما لا ينساه أحد هو استدراج بعض الناشئة الذين كانوا يلعبون كرة القدم في أحد ملاعب الأحياء الشعبية في مدينة غرب المملكة، ليجد الحاضن الإرهابي فيهم خميرة جاهزة للبرمجة، فيتقرب من خلال إبداء دعمهم بالكرات والملابس والأدوات الرياضية حتى ينقل إلى أحد المساجد وهم في غفلة تحت عنوان أهمية الصلاة والطاعة، وأن ذلك لا يتعارض مع الرياضة التي يمارسونها كهواية ماتعة، وينجح بقدراته الخطابية التي تفوق كثيرا هؤلاء الناشئة، وينتهي بهم الأمر في أتون حرائق البلدان التي فيها العنف والتطرف قد وصل إلى أقصى مدى، وتكون خاتمة السيناريو أن الناشئة صاروا بين جثث انتحارية مفخخة وبين سجون خارج بلدانهم. كما تحاول حواضن الإرهاب اللعب على الوتر الطائفي والعمل على صناعة مزاج يرفض الآخر وربما شاهدنا بعض اللقاءات التلفزيونية مع أمثال دعاة هذا الفكر الذي قد يكفر حتى العوائل التي ينتمي لها أفراده.

وفيما الوضع يتأزم أكثر، مع ما يحيط بنا من عنف إقليمي يزداد ضراوة كلما طال واستمر، وهذا ما يجب وضع كل إستراتيجيات التصدي والمواجهة ضدّه، مع ضرورة توفير كل ما يحافظ على الوحدة الوطنية ويوسّع معالم حضورها الإيجابي ويوظفّ أسس التواصل الوطني بين مكونات الوطن وأطيافه ليس على مستوى النخب فحسب وإنما على مستوى الوعي الشعبي، لمنع من يصطاد في الماء العكر أو من يعكر الماء ليصطاد؛ فالفكر الإرهابي يتغيأ ضرب الوطن وتفتيت تماسكه، بل يسعى إلى تقسيم العائلة الواحدة فضلاً عن تقسيم المكونات وتصنيفها على أسس اعتبارات طائفية أو فكرية أوما أشبه.

وقد لا يختلف اثنان على أن نبذ الفكر الإرهابي لا يعني إلا محاربته وتقويض أسسه واقتلاع جذوره السامّة، من أجل غد أكثر إشراقاً ومستقبل تتطور فيه مفاهيم التعايش والأساليب الحضارية التي تنشد معالم الحياة المدنية الآمنة والرغيدة.

إن الرهان على ذلك يجب أن يواكبه رؤية صناعة الحياة التي يرفضها الفكر التكفيري مهما تعددت عناوينه أو مسمياته التي لا تهدف إلا إلى صناعة الموت، ولا بد من تجفيف كل هذه المنابع الآسنة التي تسعى لنشر ثقافة التطرف والمذهبية الطائفية أو الفكرية مغترفة من خزان الخبرات القاتلة كل أصناف الشر.

وفيما يأتي هذا المقال بعد جريمة إرهابية كبيرة في عاصمة المنطقة الشرقية، فإننا نتضرع إلى الله تعالى أن يرحم شهداء الوطن وحماة المصلين، الشهيد السيد عبدالهادي الهاشم والشهيدان الأخوان عبدالجليل ومحمد الأربش، وابن خالتهما الشهيد محمد البن عيسى، كما نسأل الله تعالى أن يرد كيد كل كائد إلى الوطن وأبنائه إلى نحره، وأن يحفظ بلادنا وأهلها من كل سوء.

وختام الحديث تأكيد بحاجتنا الماسّة جداً إلى تعظيم القواسم الوطنية المشاركة حيث يتمحور حول مفاهيم الأخوة والألفة، وهي كما يقول الباحث الشيخ حسين المصطفى من القضايا التي لا بد أن يحكمنا فيها قانون الحياة وهو: «البقاء للأكثر محبة»، لا «البقاء للأقوى».

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.