آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

شُهداءُ حولَ «فاطمة»

ليالي الفرج *

في مقام الحديث عن مفهوم الشهادة والشهداء، أجد أنه لا مناص من الإشارة ولو سريعاً إلى طبيعة الشخصية الإنسانية وتصنيفها باعتبارات العطاء وروح البذل وقيم الإحسان وتألق الحضور الإنساني؛ لتتشكل ثلاثة مستويات يمكن أن تتمثل الشخصية الإنسانية أحدها.

فهناك من يأخذون ولا يعطون، فيما يبرز نموذج ثان لآخرين يأخذون ويعطون، والفارق ملحوظ هنا بين الحالة الأولى والحالة الثانية، ولكن ثمة حالة ثالثة يظهر فيها التميز الكليّ على الحالتين السابقتين، وهذا ينطبق على الفئةٌ التي تصدق عليها القاعدة التالية: يُعطًون ولا يأخذون..

وذلك أمرٌ مثير للتساؤل، فكيف للمتراجحة الرياضية في الواقع الإنساني باعتبارات عناوين العطاء والأخذ أن تتبدل فجأة إلى تضاد كليّ بين الحالة الأولى والحالة الثالثة، فيما يبدو التفوق للحالة الثالثة كذلك عند مقارنتها بالحالة الثانية..

هنا ننتقل إلى مفهوم الشهادة؛ إذ تأتي الشهادة في التاريخ الإنساني لتمثل أرقى ذرى العطاء الإنساني؛ حيث يعتبرها علماء الأخلاق والإنسانية أنها أبرز المعالم الكبرى لمفهوم العطاء في الواقع البشريّ. ولذلك يقررون بأنّ الشهادة لا تتاح لكل إنسان؛ لأن تحقيقها يستلزم توفر شروط موضوعية لا يكون الموت شهادةً بدونها.

والشهداء يولدون من حالة إنسانية يترقّون فيها في سلّم الكمال الإنساني ليشاركوا الآخرين من منطلق مصالح المجتمع المؤمن وليس من منطلقات ذاتية؛ فهم يتجاوزون ذواتهم نحو الآخرين، ويجعلون من حياتهم مشروعاً عاماً لخدمة الآخرين، تشحذهم مواقف واتجاهات بوصلتها اليقين الثابت الذي يرتكز على مصدر تنويريّ مشعّ بالنوايا الصادقة ومبادر لتأكيد ذلك عملياً في الواقع الإنساني.

إن الإنسان الصادق حينما يحمل قضية عادلةً في مجتمعه، فهو قادر على أن يصنع حضوراً إنسانياً بارعاً، ويضع بصمة فارقة في سجلّه الإنساني، وليس الشهيد إلا ذروة هذا الحضور وألق هذا الظهور الذي يحيل دمه الطاهر إلى أحبار خلود، ومقامات إلهام في المسيرة الإنسانية.

إنّ المتأمل في نصّ الخطاب الحسيني الشريف لأبي الشهداء الإمام الحسين ، حينما يقرأ المقطع التالي: «وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف»، والتعبير بالوله لأنه أعلى مراتب الحب والعشق، إذ أن الشهادة هي المركز الذي يستقطب كل وعي الإنسان وإمكاناته، وهذا ما نجده في جميع النصوص التي تحدثنا عن الحالة الكيانية للشهداء حينما تتجلى مقامات الشهادة أمامهم.

والحديث عن شهدائنا الذين توجوا بعنوان حماة الصلاة في الجمعة الشعبانية الثانية حينما أظهروا روح الفداء والتضحية عن آلاف المصلين الذاكرين في جامع الإمام الحسين بحي العنود في مدينة الدمام، لا يمكن إلا أن يفتح بوابة العطاء التضحوي لأربعة أبطال ممن كان نبراسهم علي الأكبر وهم يذودون ويحمون المؤمنين من خطر الإرهابيين الذين اعتنقوا عقيدة إدارة التوحش والتغوّل والقتل، يحرّضهم خطاب ساديّ، فاعل بالكراهية وبث روح الفرقة والتنازع بين المسلمين، منطلقين من مناهج فكرية خبيثة، تديرها الصهيونية العالمية كما هو ملحوظ لكل ذي بصيرة.

إن الشهداء الأربعة، وهم الشهيد البطل عبدالجليل جمعة الأربش، والشهيد البطل محمد جمعة الأربش، والشهيد البطل السيد عبدالهاديالسيد عيسى الهاشم، والشهيد البطل محمد حسن البن عيسى، بلغوا ذروة الحياة الحقيقية، وغدوا نماذج تضحوية باسلة في تاريخ المنطقة والبلاد والشعوب، وصاروا محطة إلهام يتعلم الجميع منها قيم الفداء والتضحية والبطولة التي تقف شامخة في كتاب العطاء والنبل في أقصى مَدَيَاتِه.

وينبثق عن نفس الحديث أحاديث وشجون، أهمها إن ملكات العطاء والتضحية التي تميز بها شهداؤنا هي مما صنعته دروس التربية الإيمانية ورعاية أسرهم المؤمنة، والجميع سمع وقرأ دروس الصبر والرضا والشكر من آباء الشهداء وإخوانهم، كما كانت مواقف أم الشهداء، بل أمّنا جميعاً، الحاجة المؤمنة فاطمة الأربش، وهي في قمة معاني الصبر والتأسي بأهل البيت ، في مثل هذه المواقف التي أظهرت فيها هذه الأمّ الشامخة الفخورة بأن جعلها الله أمّاً لثلاثة شهداء كانوا شموعاً تضئ الطريق لكي ينجز الآخرون، إنّ الثيمة التي ضمّخت المشهد بعطاء الدماء الزاكيات التي سالت من أجل الله وبيت الله وأهل الله، إنما جمعت عناصر القوة والتميز في كل حلقاتها لتكتمل ملحمة العطاء الإنساني الحديث بيننا في أكمل الصور أعمق المعاني وأرقى الآفاق.

لا يمكن أن يكون ما بعد هذه المرحلة، مساوية لما قبلها، فهناك مدارسللعطاء بعد شهداء القديح وشهداء الدالوة وشهداء العنود، وهناك كتب للشهادة وتجلياتها، كما أن هناك شهداء يملؤون فضاءاتنا إلهاماً وعبقاً.

السموّ والشموخ للشهداء الذين فدوا بأرواحهم الدين وأهل الدين، والصبر والقوة لآبائهم وأمهاتهم وعوائلهم وذويهم وللجميع.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.