آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

الطفولة التائهة..

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

لم يخطر في بال دوروثي لو نولتي حينما كتبت في عام 1954م قصيدة عنوانها: «الأطفال يتعلمون ما يعايشونه»؛ وهي القصيدة التي كتبتها في عمودها الخاص في صحيفة أسبوعية تهتم بالحياة العائلية، وتصدر في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، بأن تصبح هذه القصيدة من كلاسيكيات القصائد. وبلا شكّ فإن اهتمام الكاتبة كمحاضرة عن الحياة العائلية في برنامج بإحدى المدارس، أتاح لها أن تتفاعل مع نصها الشعري الذي كان من خلال جمله السلسة وتراكيبه البسيطة يمثل خطة عمل إرشادي يوحي برسالة واضحة أن الأطفال يتعلمون من والديهم باستمرار. كما تحمل القصيدة معاني وافرة تشير إلى مدى تأثر الطفل بوالديه، وظهورهما قدوة أولى في أغلب المظاهر السلوكية وكذلك الوجدانية، ولذلك تغدو حياة الطفل اليومية نتيجة لتراكم جانب المشاعر مع جانب السلوك والتوجهات والمواقف التي يتعايش الطفل معها من خلال والديه. وخلاصة ما تقرره الكاتبة بأنه بالحجم الذي يعطيه الوالدان لأطفالهم من الرعاية والعناية والاهتمام التربوي، يظهر التأثر بالقيم والسلوك في حياة الطفل.

ولأنّ المرحلة الزمنية يمرّ بتحولات اجتماعية وثقافية باتت تؤثر سلباً على جملة من عناصر الحياة العائلية وما له علاقة بالبعد التربوي تحديداً؛ بات القلق يشغل أغلب من لديه مقاربة واعية نحو رصد ودراسة العوامل والآثار التي تفرزها مجموعة الظروف والتحولات المشار إليها.

وإلاّ فما السبب الذي جعل بعضاً وليس قليلاً من الأمهات في آن يعتمدون على العاملة أو المربية المنزلية التي في الغالب لها ثقافتها وقيمها الاجتماعية والثقافية الخاصة، ليتحول هذا المتغير الطارئ إلى قاعدة حتمية في الجسد العائلي لدى شريحة واسعة في مجتمعنا الأسري.

وفي الوقت الذي تحصن هذه الأم أو تلك مجوهراتها وما تملك من الحليّ النفيسة في خزانة تخفيها؛ ولعلها تحمل ألف هاجس من أن تفقدها، إلا أن هذه الأم نفسها لا تجد حرجاً في أن تتنازل عن مسؤوليتها التربوية تجاه أطفالها، وتظهر الأمّ البديلة بكل حمولاتها النفسية والاجتماعية في دور الأم الأصيلة، ويغيب دور الأم الأولى ويتلاشى دورها الثقافي، في الوقت التي كان ينتظر منها أن تكون مهندسة شخصية الطفل، وليس الأم الأخرى، كما يحدّثنا السياق سياق الطفرات الاقتصادية التي صاحبها هذا التحولات التي يظن لها أن تتسع فجوةً، وتشتد في آثارها السلبية، ما لم يتم امتلاك روح الوعي والمسؤولية التي تحافظ على القيام بالدور التربوي معنوياً وثقافياً، فهل يعقل أن الطفل الذي يتم تصويره في القول المأثور: «وَجَدْتُكَ بعضي، بل وجدتك كلّي؛ حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني»، يمكن أن يكون فيما يتعلق بعناوين واجباتنا التربوية في هامش حياتنا المعاصرة؟!

الصورة لا تحتاج إلى تقريب أكثر، والمشهد بان لذي عينين، ولسنا في الحديث عن دور الأم وحدها التي تصورها مقولة نابليون بونابرت: «إن فرنسا بحاجة إلى أمّ قبل كلّ شيء»، ويقصد أن فرنسا بحاجة إلى التربية العائلية، وإلا فلا قيمة حقيقية للأمم ما لم تمتلك مقومات التنشئة التربوية والأسرية. فإن الأب والأم مدرسة تتكامل في أروقتها كل العناصر السلوكية والتربوية والثقافية بكل أبعادها الإعدادية والتنموية التي تنعكس مباشرة على أطفالهم، وقل كيف تربّي، أقل لك كيف هي سعادتك.

وبمناسبة قرب حلول عيد الفطر المبارك، كل الأمنيات بالخير والبركات ترجي للجميع وخاصة أحباب الله، وفلذات الأكباد، مع أعطر التهاني بهذه المناسبة السعيدة التي نحمد الله تعالى ونشكره على جزيل نعمائه وسابغ عطاياه ومننه، إنه جواد كريم.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.