آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

في سوسيولوجيا العيد

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

العيد محطة تتعانق فيها القلوب، وتتهانأ فيها المشاعر، وترنو النفوس وتتوجَّه إلى الله سبحانه وتعالى في خضوع وخشوع وأمل ورجاء تحت مقدمات القبول والحظوة بالجوائز الإلهية والمنح الربانية التي ينالها الفائزون، ويغنمها العاملون الصادقون المخلصون، ويكسبها المتقربون بالطاعات والحريصون على نيل البركات؛ بعد تحقيق برنامج عمليّ صادق في كلّ مفاصله، وعلى امتداد آفاقه وفضاءاته.

ولعل التمهيد بشق لغوي يعنى بمفردة العيد التي ترد في سياق النص القرآني الكريم، وتأخذ معنى ملحقاً بما يحمل دلالات الفرح والبهجة والجائزة والفوز وما يرتبط بهذا الكم الوافر من إيجابية المعنى واكتنازه السامي على خزين متعدد الدلالة وجامع لآفاق رحيبة المطالع ومتسعة الإشراق بمعانٍ ترفد الروح بالخير وتجزل العطاء للنفس وتهيئ الإنسان للذات الطائعة لله والمخلصة له سبحانه.. فإن هذه مقدمة تغرس مقومات الوعي وثقافة الممارسة التعبدية لله عزّ وجلّ.. وإجمالاً فإن العيد في اللغة يعني اسماً لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد، إما بعود السنة أو عود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أموراً ومنها يوم عائد كعيد الفطر ويوم الجمعة، وقد يكون لفظ العيد لمجموع اليوم والعمل فيه، كما ورد في الأثر: كل يوم لم تعصِ الله فيه فهو عيد، ولهذا يكون العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع.

إن اجتماعيات العيد تُعد فضاءً ممتداً زمانياً ومكانياً بما يشكّل منطقة زاخرة بالتنمية الفردية والاجتماعية، في مستويات تتدرج من الفعل الذاتي والثقافة المعنوية الفردية بقيم ومعاني هذا المفهوم الذي له معانٍ زمانية وأخرى مكانية، ولكن جميعها تتضافر لتكون عمقاً معرفياً راشداً على مستوى العلاقة مع الله سبحانه، ثم مع المجتمع في ضوء القيم الإسلامية الأصيلة، وعبر الحضور الإنساني الذي تحشذه هذه المناسبة طهارةً وتزكية، وتمنحه فرص الظفر والفوز برضا الله، ثم بما يصدق عليه أنه أكد مفهوم أن: «الدين المعاملة»، كما في الحديث النبوي الشريف للصادق الأمين النبي الأكرم محمد بن عبدالله معلم الدين والأخلاق والسماحة - ﷺ -.

وعلى الرغم من أن هناك تغيراً في مستوى التفاعل الاجتماعي عما كان عليه الآباء والأجيال من الماضين، من حيث قوة الارتباط بهذه المناسبة على مستوى العلاقة مع الناس، فظواهر التزاور الواسعة والاحتفال والترابط بين الأسر، تكاد تكون تأثرت لعدة أسباب، قد يكون بعضها مقبولاً كما في تحولات الحياة المعاصرة بمنظورها الاقتصادي وما نتج نتيجة الطفرات الاقتصادية، وبالتالي التأثير على منظومتنا الإنسانية بعناصرها الاجتماعية، فيما يغلب على كثير منها لغة التبرير والتقاعس عن أداء الدور المطلوب من كل منا تجاه كل ما يقوم بفعل يعزِّز من درجة التعالق الإنساني الفعّال في مناسبة تُعد من أهم تمظهرات اجتماعيات الدين وممارسات الثقافة بكل أطرها الشعبية وتراثها الأصيل على مستوى الفلكلور وما استجد في ثقافتنا المعاصرة إثر نواتج التأثير التكنولوجي الذي باتت كل ثانية فيه تتفصّد شكلاً ونوعاً في كل مفردة من معجم حياتنا.

والطريف أن مفردة كمفردة تحمل الابتهاج والفرح، يتفرع منها ضمن مقولات التراث الشعبي، ما يحمل معنى مفارقاً للمعنى الأصلي، كما في التركيب التراثي: «جاب العيد»، وهي تشير إلى ما يحصل من مواقف لبعضنا، فتكون ردة الفعل عنيفة وسلبية غالباً، وربما شاهدنا مثل هذا في مشاهد أحد البرامج الرمضانية التي حملت اسم جاب العيد.

ولكن يبقى لمفردة العيد ومعناها سطوعاً نفسياً واجتماعياً تثريه ثقافة الإسلام، وتبذخ في مسافته عناوين الإنسانية كلما قاربنا العيد بأرواحنا واستشعرنا أننا كائنات لا تعيش بدون الحبّ.

نسأل الله العود، ثم العود، ثم العود، والجميع في كنف الرعاية الإلهية والتوفيق من المولى القدير بالسعي لما يرضيه جلّ وعلا، ونسأله أن يجعلنا من المرحومين ولا يجعلنا من المحرومين، واجعلنا مصداقاً لمقولة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «إنّما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه وكل يوم لا تعصي الله فيه فهو عيد».

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.