آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

ضرورة الانعتاق من شرانق «البرادايم»

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

ضمن لغة المصطلحات التي أخذت حيزاً ليس باليسير حصره في حياتنا المعاصرة، فإن مفهوم «البرادايم» صار ضمن اللغة المألوفة في قاموسنا الاجتماعي بعد أن كان محتكراً في دائرة القاموس التخصصي وفي حدود المعاني اللغوية في مستوياتها الأولى التي لديها قابلية النمو والسطوع في مدارات العلوم والمعارف لتشرق في مقامات الاصطلاح بمعانٍ أكثر قدرة على الحضور في حيثيات الحياة وتفاصيلها، خصوصاً بعد تصاعد الاهتمام بشؤون التدريب وفنون تطوير الموارد البشرية سواء في سياق الذات أو الجماعة.

وكما جاءت الإشارة إلى أن مفهوم «البرادايم» المعاصر تولد نتيجة حركة نمو معرفي ليتجاوز المعاني اللغوية المحدودة ويتبوأ معاني اصطلاحية أكثر اتساعاً وأرحب دلالة.

وفيما يأتي هذا المفهوم لغوياً تحت عناوين النموذج أو المثال أو الطابع أو النمط، يتشكل معناه الاصطلاحي كما يشير أستاذ جامعة الكويت الدكتور أيوب الأيوب إلى أن «البارادايم هو الطريقة التي نرى فيها العالم بصورة ذهنية موسعة، وتشمل الخبرات والقواعد والثقافة لكل فرد، التي تؤدي بدورها إلى تكوين الصور أو القوالب الذهنية إيجاباً وسلباً»، وبذلك فإن القناعات التي يشكلها اتباع مجموعة من القواعد أو الأفكار الأولية، يكون نتيجتها ظهور لبرادايم أو نمط تفكير شخصي أو جماعي تبعاً للمدار الذي يتأسس فيه هذا الظهور. وهكذا فإن تشكل هذا الأمر يؤدي بالنتيجة إلى الوقوع تحت تأثيراته في عملية التعلم وتشكل الخبرات واكتساب المعارف بشكل ملحوظ؛ مما يعني أن تأثيراً هكذا في حدوده المعقولة، سيكون قادراً على تحقيق الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها الشخص أو الجماعة.

لكن القضية المقلقة تتكون إثر الوقوع تحت حالة خدر برادايمي يصنع شرانق فكرية واعتقادات تمنع الخروج من إسار هذا الصندوق المغلق والتحرر من ربقته نحو ممارسة تجارب أخرى، غالباً ما تمنح فرصة التميز وملامسة عتبات الإبداع الإنساني فكرياً وعملياً.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النمط التفكيري أو البرادايم، إضافة إلى ما جاء قبلاً، فإن هناك ظهورين للبرادايم؛ إما إيجابياً، وإما سلبياً. ومع أن الإيجابي سيكون منتجاً على الرغم من ضرورة الوعي بعدم الانكفاء تحت سلطته المطلقة، إلا أن السلبي سيكون هادماً ومقوضاً للقوى الإنسانية، وعامل إخماد لكل ما يمكن أن تتفتق من خلاله المهارات والقدرات المختزنة أو الكامنة في الطاقات البشرية.

ولعلنا نلامس الواقع حينما نستدعي بعض المشاهد الواقعة تحت تأثيرات البرادايم السلبي بالذات؛ فإن هناك من الطلاب في مراحل التعليم العام يتشكل لديهم صور ذهنية سلبية تجاه صعوبة بعض المواد التي يتعلمونها، لسبب أو أكثر، وغالباً ما تتصاعد موجات هذه الزلازل الهادمة، ويصبح الواقع تحت تأثيراتها مكبلاً بنمط تفكيري يستدرجه نحو مزيد من النكوص والتغوّر، ما لم يتم الالتفات لها والتصدي من خلال تشكل وعي ونَظَارة فكرية غالباً ما يستلزم وجود أدوار تربوية تقوم بتشخيص الحالات ومعالجة الآثار وفق برامج تأهيل وتدريب على الانعتاق من إسار هذه الرؤى والقناعات التي يمكن تجاوزها وتحويلها من ثغرات ضعف إلى مناطق قوة وانطلاق وريادة ونجاح.

أحدهم كان يجد صعوبة في تجاوز معضلة تمكنه من قيادة السيارة لسنوات، وحينما أقنعه صديقه بضرورة عرض مشكلته على متخصص، فإن المشكلة زالت في وقت قصير، واستطاع قيادة السيارة بثقة تامة، بعيداً عن الصور الذهنية الأولى التي كانت تستلب كل ما يكتنزه من قدرات وقابليات ومهارات.

والشرانق البرادايمية قد يقع تحت قيودها حتى من هم في مواقع قيادية أو ذوو مستويات علمية عالية، وهذا وإن كان أقل من سواهم، إلا أن النسبة أيضاً كبيرة، وقد يتحول البرادايم السلبي إلى نمط دائم، إذا لم يتم علاجه في مراحله الأولى. وسبحان الله القائل: «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

إن تطبيق البارادايم شفت أو النقلات النوعية في المسيرة الإنسانية محطة تصحيح لفك كل قيود البرادايم السالب والانتقال إلى الحالة الإبداعية التي يلهم تفكيرها طلاقة تفكيرية خارج صندوق الإسار البرادايمي.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.