آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

القرار انعطافة مسار

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

للوهلة الأولى يتبادر لذهنك حين تقع عيناك على تقاسيم هيئته أنه رجل عاجز يتوسم في الآخرين أن يكونوا له عوناً ويداً حانية تخفف من عجزه وضعفه بسبب إصابته بالشلل الرباعي، لكنه صنع فارقاً شديد الأثر والوضوح في مجتمعه وعلى امتداد المجتمعات كافة. كان قراره أن ينظر لنفسه وأن تتحول نظرة الآخرين له على أنه شخص معافى وهنا تتمحور حلقة الجهد والبذل على إثر تلك النظرة.. قرر من البداية أن يتجاهل إصابته التي حدثت له في سن مبكّرة، عندما كان في عمر الرابعة عشرة، ورغم أن جهاز التنفس يلازمه كل ليلة وكأنه جاثوم خانق؛ لما يسبب له من معاناة يطوقها الألم، إلا أن الرجل استطاع محو تلك الحالة من الضعف أولاً عن مخيلته.. تجاهل آلامه ليصنع وهجاً في أذهان الناس عن إنجازه. فكان أول من ابتكر الكرسي المتحرك المخصص للسير في الأماكن المنحدرة التي تُمَكِّن مستخدميها من ذوي الاحتياجات الخاصة من استخدامها في الأماكن غير المستوية أو في الأماكن ذات الميل المنحدر عن المستوى الاعتيادي من الأرض، وأيضاً كان له الفضل في تصميم أماكن الانتظار المخصصة لكراسي نفس الفئة من ذوي القدرات الخاصة.. إنّه مدير قسم إعادة التأهيل في ولاية كاليفورنيا «إيد روبرتس»، الذي لم تعقه إصابته بالشلل الرباعي من تولي هذا المنصب وتقديم مثل هذه الابتكارات ذات الأثر العظيم لفئة تجاوزت، بتلك الابتكارات التي أسداها، كل الصعوبات والعوائق التي حتماً ستجعل الممارسات الحياتية اليومية في غاية الصعوبة.

ومثل هذه الشخصية نماذج أخرى لافتة في السياق الحياتي.. أناس قد تجاوزوا حدود ظروفهم عن طريق اتخاذ قرارات جديدة بشأن ما يفعلونه في حياتهم حتى أصبحوا أمثلة يُحتذى بها في قوة الإرادة وتحدي العقبات بما يمتلكون من مخزون في أعماقهم ورغبة ليست محدودة في تغيير كل مسار شائك ربما يكون عند غيرهم نهاية حياة ويأساً مُدمراً.

إذن ثمة مفارقة شاسعة بين الاستسلام للظروف والتسليم لكوابيس العجز قبال ثورة القرار وصناعة الفارق في أن الثقة بالنفس أول دليل ساطع يرسخ مقومات النجاح في الشخصية الإنسانية، ومعها ينقطع حبل الضعف وتزول السدود الوهمية للانكسار لتبدأ لحظة القوَّة ومشروع التغيير.. إنها القرارات التي يتحول بها ومعها الإنسان إلى ضفة النجاح والتميز في حياته وحياة الآخرين في انعطافة مسار وبداية خلق لملامح حياة حُبلى بالتفاصيل والإيجابيات، وفي الحكمة أسفار النور، ومن ذلك مقولة إنه: «أدلُّ شيء على غزارة العقل حسن التدبير».

إنَّ الخيار الصحيح لتغيير واقع مقلق في حياتنا هو التوقف عن تقليب الاحتمالات في دائرة الحيرة والتفكير، وإخراج الخيار الأنسب من هذه الاحتمالات من حلقة التفكير مغلقة الحواف، وحسم قراراتنا بقرار حقيقي، فمن ضمن الاحتمالات التي تلازمنا في عقلنا الباطن هناك احتمال واحد يجب أن يدخل حيز التنفيذ وأن يتحول واقعاً ملموساً حقيقياً. تُمثل لنا صورة اتخاذ القرار الحازم، كإنشاء جسر بين ضفتي جزيرتين، فانتقالنا من ضفة الجزيرة الأولى للأخرى ليس كما التخيل والحلم بذلك الانتقال، نحنُ بقراراتنا الحقيقية الحازمة ننتقل من مرحلة التخيل والتمني إلى مرحلة الواقع الملموس والنجاح المحسوس عبر التنفيذ المدروس والمتقن، يخلط بعض الناس بين مفهوم اتخاذ القرار الحقيقي وبين تحديد الرغبة وتقليب الاحتمالات.

اتخاذ القرار الحقيقي هو الذي يزودك ويمدك بالقوة التي تفعل مزيداً من أجل الحصول على النتائج التي تسعى لها.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.