آخر تحديث: 23 / 11 / 2019م - 5:30 ص  بتوقيت مكة المكرمة

النساء قادمات!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

كان طبيعيًا الجدل الذي رافق مشاركة فتيات سعوديات ظهرن فوق مدرجات يشجعن فريقهن الرياضي في مباراة السوبر السعودية لكرة القدم، التي جرت في لندن «الأسبوع الماضي» بين فريقي الهلال والنصر.

«طبيعي» لأن المرأة ما زالت «قضية» تثير الجدل في مجتمع محافظ مبتلى بالتقاليد والأعراف المستحكمة.

ومع أن هذا الجدل كان معيقًا لحركة المجتمع، ومقيدًا لدور المرأة، إلا أن قوى الممانعة لمشاركة المرأة وتمكينها لم تنجح تمامًا في فرض وصايتها على المجتمع، والفضل كان للدولة التي تتدخل في مفاصل هامة لتصويب حركة المجتمع. حدث ذلك عندما أقرّت تعليم المرأة، قبل نصف قرن، وشيدت بعدها بعقود أول جامعة حكومية سعودية متكاملة خاصة للمرأة «جامعة الأميرة نورة»، وحين أشرفت الدولة على أكبر حركة ابتعاث لتلقي التعليم العالي في جامعات العالم، وشاركت فيها بجدارة الفتيات السعوديات. وحدث ذلك في مجال العمل والاستثمار، والمشاركة في صنع القرار، خاصة في مجلس الشورى الذي أصبح يضم في عضويته 30 امرأة من أصل 150 عضوًا هم مجموع أعضاء المجلس.

أما أصحاب الصوت العالي الذين يتحسسون من قضية المرأة، وأقاموا الدنيا لمجرد ظهور فتيات في مدرجات السوبر، عليهم أن يربطوا الأحزمة فالأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت.

فمنذ يوم السبت المقبل «22 أغسطس/ آب» ستبدأ الإجراءات الأولى لانتخابات المجالس البلدية في السعودية، بعد أن أقرّ مشاركة المرأة في الترشح والانتخاب لعضوية هذه المجالس اعتبارًا من هذه الدورة.

مشاركة المرأة سيحدث ما يشبه «الهزة» في الوعي الجمعي، ذلك أن المجتمع سيبدأ يتعود على حضور علني للمرأة، والدخول معها في نقاشات مفتوحة، وسجالات على أساس البرامج والأفكار، والتعود على أن تكون المرأة «ندًّا» في الساحة لجهة القدرة على الجذب والإقناع والتحدي والمنافسة، وإلى حدٍ ما ستتهاوى صورة المرأة الضعيفة، مهيضة الجناح، التي تعيش تحت ظل الرجل وفي حماه.

هذه الانتخابات سواء حققت فيها المرأة نجاحًا أم لم تحقق، قيمتُها ليست في النتائج، بل في المناخات التي تخلقها، وأهم تلك المناخات تعريض القناعات المستحكمة للنقاش العلني، وإدخال عناصر جديدة من شأنها الحد من سطوة قوى التشدد الفكري.

في هذه الدورة الثالثة للمجالس البلدية تم تطوير النظام الانتخابي، حيث شهد جملة من التوسيعات والتعديلات الجديدة التي تهدف لتعزيز دور هذه المجالس في التنمية المحلية، بينها توسيع القاعدة الانتخابية لتشمل النساء والشباب حتى سنّ 18 سنة، ودخول المرأة ناخبة ومنتخبة، ورفع نسبة الأعضاء المنتخبين من النصف إلى الثلثين، مع إعطاء صلاحيات أوسع لجهة الرقابة وإقرار الميزانيات واعتماد المشاريع.

مشاركة المرأة ستخلق وعيًا جديدًا، وثقافة جديدة، تمامًا كيوم خروجها للمدرسة قبل خمسة عقود، وكيوم خروجها للعمل في الميدان، ذلك أن المرأة أصبحت تملك القدرة على مخاطبة الجميع والتنافس مع الرجال وإبراز قدراتها، أولاً في كسر التابوهات التي تحيط بها، وثانيًا في قدرتها على الإقناع وإيصال رسالتها.

مشاركة المرأة يمكنه أن ينتج وعيًا جديدًا، قائمًا على التصالح مع الذات ومع العالم، والقبول بفكر منفتح ومتعدد، ورفض الانغلاق في أسر الرأي الواحد.