آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 3:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الخازوق العصري +18!

فوزي صادق *

الخازوق هي أبشع وأشنع أداة تعذيب في تاريخ البشرية، وهي كالرمح أو العصى برأس مدبب، وتستهدف إختراق جسد الإنسان من الأسفل إلى الأعلى، خروجاً من كتفه الأيمن، ليموت ببطئ في عذاب قد يستمر لثلاثة أيام أو أكثر، بحيث لايخترق الأعضاء الحيوية كالقلب والرئيتين.. والجلاد المتفنن " يكافأ " من يمد أيام العذاب لفترة زمنية أطول، وكانت عقاباً للمجرمين وقطاع الطرق والجواسيس.

في يومنا هذا " عصر الكمبيوتر " ظهرت خوازيق عصرية مؤلمة ومحببة في نفس الوقت!، وقد تصل مدة عذابها إلي شهور أو سنوات، أو لطول الدهر، ومتوفرة حالياً بأشكال وطرق وأساليب مختلفة حسب طلب وهوى كل شخص، وكلها تتفق في خلق الألم بالضحية " المخوزق "، وللمدة التي يرغب بها أو لم يرغب.

تختلف خوازيق عصرنا عن سابقتها بشئ واحد، وهو إن المخوزق والجلاد حالياً هو الشخص نفسه.. وقد أطلقت علىه أسم: " جلخوق "، والغريب إن الجلخوق هو من يضع نفسه على الخازوق مراراً وبرضاه، وأمام مرآى الناس، ومع ذلك يستأنس بالألم ويأنس به! وحتى لو تأثر يوماً بالنزف والوجع لحافة الموت، سيعود يوماً آخر وهو بكامل قواه العقلية والجسدية ليقف على الخازوق العصري مرة أخرى.. ولأكون أكثر وضوحاً، سنضرب أمثلة عن الخازوق العصري، وكم نوع من الجلاخيق " جمع جلخوق " يعيشون بيننا.

أخبرني أحدهم " جلخوق " إنه معجب بخازوق الأسهم " البورصة " إلي درجة الشبق، إذ عذبه منذ أن وقف عليه قبل ثمانية عشر سنة، وإنه جرب خازوق أسهم أجنبي وآخر عربي، ومازال يتألم، ومازال الدم مازال ينزف، ومع ذلك، هو يأنس به وبألمه، لأنه تكيـّف عليه.. كذلك علمت من " جلخوق " آخر، إنه معجب بخازوق الديّن والسلف والشكاوي والمحاكم، ولا يأنس إلا بدخول الشرطة كل شهر مرة، وإنه يحب هذا النوع من الخوازيق التي سالت ماء وجهه، وأيضاً علمت من صديق، إنه يوجد عدة أنواع من الخوازيق الأجتماعية، ومنها خازوق العظمة، إذ يقضي الشخص " جلخوق " على نفسه، ويصبح منبوذاً من عائلته ومجتمعه، لأنه عظيم ولايخطئ، مع إنه يتلقى عدة تحذيرات وصفعات ممن حوله، بإنه سيتألم لو وقف على خازوقه، لكن لايتعظ، ويعيد الكرة ويقف على نفس الخازوق.

المشكلة مع خوازيق عصرنا، إنها تكيّفت العيش معنا، والعكس صحيح، وأصبحت جزءاً من عالمنا وحياتنا، وأنا هنا أقصد البعض، وليس الكل، ولايمكن لبعض الجلاخيق العيش بدونها، ولو وضعته بعزلة في جزيرة، سيصنع لنفسه خازوقاً من لاشئ!

الحقيقة التي تخجل حتى الشيطان، كما قال أرسطو، إن الحيوان عادة يتعلم من أول خازوق يخزقه، كالحمار مثلاً، فإن وقع في حفرة في طريقه، ستجده يتحاشاها بالمرة الثانية، حتى لو أغلقت عينيه.. أما الإنسان مع الأسف، لايرده أي خازوق، ولايتعلم من الخوازيق السابقة، ولا من خوازيق خزقت غيره، وخلاصة القول: السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اعتبر بنفسه.

كاتب و روائي - الدمام