آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 7:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفنون البصريّة مجتمعياً

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

حين نقارب في عصرنا هذا مفهوماً إبداعياً صيغ ضمن رؤية نخبوية في جُلّ اهتماماته وأفعاله، فإنه يحقّ لنا أن نتساءل هل أن هذا المفهوم لا يزال بحصريته التقليدية المعروفة واستبداد سلطة تحيّزه المعروفة منضوياً تحت نفس الرؤية الأولى، أم أن ثمّة متغيرات ثقافية واقتصادية ومعرفية تسببت في إحداث زحزحة ليست بالهين أن تتوارى أمام هذا السيل الجارف من مخرجات التقنية الحديثة التي بتنا نتوسد صرعاتها في نومنا، ونتوسّل توسّع تجلياتها في يقظتنا، ونحلم أن تُترجم أحلامنا سواء ما اتصل منها بنومنا أو يقظتنا، إلى ظهورات تكنولوجية، يتناقلها أطفالنا فضلاً عما يلاصقنا حالياً من هذه الكائنات التي تعلم أغلبنا أنها جامدة بينما هي في حقيقتها ليست حيّة فحسب، وإنما تسعى لصناعة حياة معاصرة أريد لها أن يكون لها هذا التأثير وتأثيرات أخرى.

وكم في هذا الواقع البصري الحديث بإمكانيات المفهوم الجدلي الذي أسموه الحداثة، وصار يتَجاذَبَنا بين بوّابات التحديث الإيجابي ودهاليز الاستلاب المُنَمنم الذي تجترحه صور العولمة في الألفية الثالثة، بعد أن وصلنا إلى نهاية منتصف العقد الثاني منها، من انعكاسات مباشرة على العقل والعاطفة والروح في آن واحد، مع ما قد يوصف بتباين في نوع وصفة ومستوى التأثير على كل منها. ومن محصلة استفهامات تصوّرية، يبرز أهمها متسائلاً، عن مستوى الإدهاش وحقيقة الصدمة التي يتوقع حدوثها فيما لو عاد أجدادنا وشاهدوا ما نشاهد؟!

وهذا يمهّد للانتقال إلى ضفّة الفنون البصرية، وربما لتمييز أكثر دقة، نختار الفنون الجميلة، عبر اهتماماتها الغالبة، وخاصة المرتبط بالتشكيل والفوتوغرافيا. وهنا بيت القصيد، كما يقال؛ إذ تتنامى أعداد المعارض التشكيلية وكذلك المعارض المرتبطة بالصورة الفوتوغرافية بعد نقلة نوعية فيما يرتبط بالصورة البصرية الفوتوغرافية إثر ظهور مفهوم الرقمية الفوتوغرافية Digital، فتلاصقت الكاميرا الرقمية بجيوب ملابسنا، وجيوب محافظنا، وأجهزة هواتفنا النقالة، في أشكال تتصاعد وتيرتها بسرعة قياسية، كما ينمو تقدمها في معدل صارت حافظتنا الذهنية غير قادرة على حفظ المسميات والمصطلحات المرتبطة بهذا الظهور الذي تشابكت فيه البصريات بعناصر الفعل الإلكتروني من معالجات ووسائط ذاكرة وتخزين، ووسائل عرض بصري تتدرج من التقليدية، إلى الإلكترونية المتقدمة، وإلى المتفاعلة باللمس، عبر أجهزة الألواح التي أتينا بها بدلاً من ألواح الطين التي تعلم فيها آباؤنا وأجدادنا من قبل في مدارس الكتاتيب قبل ظهور التعليم الحديث في أنماطه وصوره الحالية.

وتأثيرات هذا التقدم التقنيّ ربما تكيف أغلبنا معها مع محاولة عدم إظهار ملامح الصدمة المعرفية، في مخاتلة سلوكية، تحاول أن لا تشعر الآخرين بها، رغم أنها تحدث للجميع، وإن حاولوا إخفاءها.

والأمر الذي يجدر بالتركيز عليه هنا، هو ما يتعلق بنمو مفهوم الذائقة الفنية بصرياً لدينا، بعد كل هذا الفتح والصعود التقني في فضاءات التكنولوجيا البصرية تحديداً.

لدينا فعل بصري ينمو، مع أنه لا يزال محتاجاً لاهتمام نوعي رسمي ومجتمعيّ، وتسجل أعداد المعارض البصرية الموسمية، سواءً في مفرداته التشكيلية والتصويرية أو فيما اشتغل بالفوتوغرافيا التي تزايد عدد المحققين لجوائز وألقاب في أكثر من محفل ومسابقة دولياً.

سنقول إذن لدينا فعلاً بصريّاً ظاهراً، ولكن ما مدى اهتمام هذا الفعل بتنمية الذائقة الفنية مجتمعياً، ليخرج هذا الفعل من كساء الحرير النخبويّ، إلى رداء القطن الاجتماعي؟

وقبل فترة سألت فنانة تشكيلية، حول رسالتها الفنية مجتمعياً، وركزت بالتحديد على مستوى اهتمامها بتنمية وتطوير الذائقة البصرية ثم الفنية، وفي الحقيقة لم أجد جواباً يشكل رؤية تسعى لتحقيق ذلك، وفي ذلك إشارة إلى عدم التفات كثير من المشتغلين بأحد الاهتمامات الفنية إلى ضرورة الانتقال إلى المساحة التي يمكن معها أن تنمو محصلة الذائقة الفنية بصرياً ووجدانياً ومعرفياً، مع أن هذا يحتاج إلى خطط رصينة، وهذا لا يمكن تحقيقه دون دور رئيس رسمي من وزارة الثقافة والإعلام بمؤسساتها المهتمة بالفنون والإبداع؛ ومنها البصرية، وكذلك ينتظر من الجامعات السعودية دور مؤثر في ذلك، كما يُعوّل على الغرف التجارية والصناعية وأمانات وزارة الشؤون البلدية وغيرها من المؤسسات الرسمية، كما يتوجب على الشركات الكبيرة والبنوك والشركات الأجنبية الموجودة في بلادنا أن يكون لها أدوار مؤثرة تحت عنوان مسؤوليتهم الرسمية أو الاجتماعية.

إن اختيار الألوان المتناسقة يمثل مشكلة لدى نسبة ليست قليلة منّا، وهذا يمكن معالجته بعقد ورشة تطبيقية صغيرة كنا نود أن تقام في أحد المعارض البصرية للتعريف بما يعرف فنياً بدائرة الألوان التي تقسم الألوان إلى رئيسة وثانوية وثالثية، وتكوّن تشكيلات منسجمة سواء بما يعرف فنيا بالألوان المتكاملة؛ حيث يشكل كل لونين متقابلين في الدائرة المذكورة لونين متكاملين ومنسجمين، كما تنسجم الألوان المتجاورة في نفس الدائرة، التي لا يزال تعليمنا عاجزاً عن إكساب هذه المهارة لأطفالنا في التعليم العام؛ لأن درس التربية الفنية يحتاج إلى اهتمام يغرس مثل هذه المهارات في بصرياتنا منذ الطفولة، لتتفتق ذائقتنا الفنية، وينمو الوعي البصريّ مجتمعياً.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.