آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 10:49 ص  بتوقيت مكة المكرمة

القوة الناعمة

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

بعد أقل من عام على تقديم المفكر الأميركي فرانسيس فوكاياما أطروحته المثيرة للجدل «نهاية التاريخ»، مزهوًا بانتصار الرأسمالية الغربية ونموذجها الليبرالي على خصمها التاريخي الاتحاد السوفياتي، ونظامه الاشتراكي، فاجأ جوزيف صمويل ناي، الأوساط الأميركية، بطرحه مفهومًا مختلفًا للقوة أطلق عليه اسم «القوة الناعمة».

عمل جوزيف صمويل ناي، المولود عام 1937، أستاذًا للعلوم السياسية وعميدًا لكلية جون كيندي في جامعة هارفارد، وهو أحد مؤسسي مركز الدراسات الليبرالية الجديدة في العلاقات الدولية. وتولّى عدة مناصب منها مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بيل كلينتون، ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني.

انشغل صمويل ناي، بتقديم نموذج مختلف للقوة، يضمن تفوق الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وبالإضافة لدراسته ذائعة الصيت «القوة الناعمة»، لديه دراسة مهمة تحمل اسم «مستقبل القوة»، وفكرة القوة الناعمة تعني مجموع أدوات «الإقناع والجذب»، بدل الإرغام والقهر واستعمال القوة الخشنة، أو حتى دفع الأموال. والتي تتم من خلال السمعة الدولية، والسلطة المعنوية والأخلاقية، والوزن الدبلوماسي، والقدرة على الإقناع، والجاذبية الثقافية، والمصداقية الاستراتيجية، والشرعية.

هو يقول إن الثقافة تمثّل أهم موارد القوة الناعمة لأي بلد إذا كانت تتمتع بالحد الأدنى من الجاذبية وذات قيم يمكن أن تتواصل مع الخارج. يضرب على سبيل المثال اتجاه الصين لبناء قوة ناعمة من خلال التعليم، ففي الفترة ما بين 1978 - 2008 كان عدد الطلاب الصينيين الذين يدرسون في الخارج 1.4 مليون طالب، لكن في عام 2009 كان هناك 220 ألف طالب أجنبي يدرسون في الصين، وهي تسعى ليصل العدد إلى نصف مليون في 2020. وبالنسبة للولايات المتحدة، ففي عام 2008 كان هناك 46 رئيس حكومة في العالم من خريجي الجامعات الأميركية، وهناك نحو 750 ألف طالب أجنبي يأتون للولايات المتحدة كل عام.

المنتجات الثقافية كالتعليم والسينما والموسيقى والأدب والشعر والفكر والتراث الشعبي، يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في بناء القوة الناعمة، والتواصل والتأثير، أكثر بكثير مما تفعله القوة الصلبة. فالولايات المتحدة بها 28 في المائة من الطلاب الدارسين في الخارج، وهي أكثر دولة تنشر المؤلفات الموسيقية والبحوث العلمية، وهي أهم مصدر للأفلام والبرامج التلفزيونية، وتملك الولايات المتحدة أكثر من 62 في المائة من العلامات التجارية في العالم، ولا تعتبر منتجات هوليوود وهي «أكبر مروّج ومصدّر للرموز البصرية» مجردة من رسالتها في التغيير والتأثير في المجتمعات، حيث تبشر للعالم ما تعتبره القيم الأميركية.

يمثل الإعلام حجر الزاوية في نجاح القوة الناعمة، ويقول صمويل ناي: «إن جدوى القوة الناعمة مرهونة بالمصداقية في الإعلام، لا سيما في ظل كثرة وتنوع هذه الوسائل وتنافسها المحموم بشكل يفرض على المتلقي البحث عن الأكثر مصداقية، وكلما كان عهد المتلقي بمصداقية الأداة الإعلامية أطول كان ذلك في مصلحة القوة الناعمة».

لماذا نتذكّر كلام صمويل ناي في هذا الوقت تحديدًا؟، لأننا قد نغفل في ظل اندفاعاتنا نحو حماية الذات أو الجماعة، أو خوض الصراعات الخارجية، نغفل عن سرّ القوة الناعمة الذي طالما كان سلاحنا الأمضى لكسب المعارك والنزاعات وحسم الخلافات.

على المستوى العام، نحن بحاجة إلى تنشيط أسلوبنا التقليدي في السعي للإقناع وكسب القلوب، والتواصل مع الآخرين بلغة ناعمة ومهذبة وتقديم مشتركات ثقافية وحضارية والحد من لغة التصادم والتعالي واحتقار المنافسين، لأنها ببساطة لا تجدي في كسب المعارك.