آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 7:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

المثقّف مستبدّاً

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

ربما لم يمر مفهوم ثقافيّ آخر، كما هو الحال بالنسبة لما يجده مفهوم/ مصطلح «المثقف» في كثرة حضوره التقليدي بمراحله التاريخية المتباينة، التي رافق خلالها نموّ في المدلول وتحوّل في مجموعة من عناصر تشكّله، وإرهاصات الولادة لزخم حافل ممّا يمكن أن يوصف بأنه تجدد وتوسع في السيطرة على مساحة كبيرة من الوعي الإنساني، وانتقال بالمفهوم عبر أدوات الانزياح الدلالي إلى بيئة تشابكت فيها خيوط النسيج النخبوي مع الحضور الثقافي العام اجتماعياً. وهذا متوقع إثر تغلغل وسائط الميديا الحديثة، في كل معانيها التي صار الكوارك الفوتونيّ سلعة بيد الأطفال فضلاً عن الناشئة والشباب والآباء والأمهات.

إن مفهوماً جدلياً يشترع لنفسه هذا الحضور الوافر في الحياة المعاصرة، لا بدّ أن يكون مؤثراً قوياً في تفاصيل الجسد الإنساني العام، بكل اهتماماته الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.

ولكن في الوقت ذاته، ليس من حاجة للتأكيد على أن مفهوم «المثقف» يبدو حالياً وكأنه يزداد في هلاميّة حضوره، مما يتسبب في جعله متلبساً بوجوه قد تتفاصل وتتنافر أو تتواصل وتتجاذب؛ مما يشير إلى احتمالية أن تكون قراءة هذا المفهوم متفلّتة، والقبض عليها غير يسير.

فمثلاً، حين تواشج مصطلحه، في نسبة من وجه واحد، على حدّ تعبير أهل علم المنطق، بين مصطلحي الثقافة والفكر، كان هذا أحد أبواب التوسع الدراماتيكي والزيادة السريعة في مفهوم المثقف في معانيه اللغوية ومدلولاته الاصطلاحية، مع نشوء ما بات يعرف بالمعرفة/ الثقافة الإلكترونية أو مخرجات علوم المعلوماتية الحديثة.

فصار المثقف في كل مكان حسب اصطلاحات مجتمعاتنا الحديثة، إلى درجة شاعت فوضى استعمال المصطلح، واختلط الحابل بالنابل، كما هي حالة كثير من السياقات الإنسانية الأخرى في وقتنا.

وفيما كان المثقف ينظر إليه سواء في الدول المتقدمة أو في الدول النامية بأنه مصدر لتصحيح المسارات الإنسانية، وصاحب رسالة تغييرية، مهما تنوع تصنيفه الفكري، أو حضوره الثقافي في الواقع المجتمعي، كان ينظر إليه بأنه أداة للإصلاح الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، في إطار لغة ورسالة إنسانية ترفض الاستبداد بكل أنواعه، ولهذا هناك من دبّج الكتب والرسائل في هذا المجال ونحوه من كثير من مفكري وكتاب العالم، في السابق واللاحق من المراحل الزمنية الحديثة.

ولكن أن يتحول المثقف إلى مستبدّ، فهذا غريب، ويحتاج إلى قراءة تحليلية وفحص دقيق لأسباب هذا الحضور الآخر للمثقف، وانتقاله إلى تصحير المدلول الحقيقي لمفهوم المثقف بدلاً من سقيه من نهر الإنسانية العذب.

والشواهد في العالم وافرة على الحضور السالب للمثقف، وظهوره مستبداً في فضاء الكلمة والحياة، وهذا قد يعود إما إلى الممارسة البراجماتية للمفاهيم، وهذا وارد جدّاً على مدى تاريخ الإنسانية، فهناك كثير ممن يطبق قاعدة: «الّلي تغلبْ به، العب به»، ما يساوي قاعدة ماكيافيللي: «الغاية تبرّر الوسيلة» اللاأخلاقية، وهناك من المثقفين من تستقطبه دوائر الفعل المتحيّز، بلا اهتمام سوى بما تشير إليه بوصلة «الأنا المتضخمة»، الذي قد يتفحّش إلى مظهر سيكوباتي، كحالة تصنف ضمن اختصاصات الصحة النفسية بأنها مرض، كما هو جنون العظمة مرض هو الآخر.

وإن وسائل الميديا الحديثة، وخاصة ما له علاقة بأبعاد التواصل الاجتماعي، تعجّ بحجم كبير لحضور من هم ينسبون إلى الجسد الثقافي، ولديهم أنواط الثقافة كمثقفين، حسب تصنيف البعض لهم، ولكن نجدهم يمارسون استبداداً تويترياً في كبسولات حشواتهم السامّة، التي يعتقد بعضهم أنها تغريدات السلام الحمائمية، وهم منها بُراء.

ولئن كان في حضورات كثيرين نفحُ انسكاباتٍ عاطرة على أرواح البشرية، إلا أنّ ثمّة متوحشين برداء المثقفين، وليس من عجبٍ أن يكتبَ الوحش!

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.