آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 1:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بين «فرانكنشتاين» و«أحدب نوتردام»

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

في عام 1818 ظهرت لأول مرة شخصية «فرانكنشتاين» الشخصية الأسطورية التي صنعتها أديبة بريطانية شابة، كانت وقتها مغمورة، هي ماري شيلي. ولادة هذه الأسطورة احتاجت إلى أسطورة أخرى، فقد رأت المؤلفة في المنام طالب طبّ يقوم بتجميع أجزاء متناثرة من جثة آدمية، ويلصقها كيفما اتفق، ثم يغطيها بملاءة وينام إلى جانبها، ليفاجأ في الصباح أن الحياة دبّت في تلك الأجزاء وقامت منتصبة بجواره.

على الصعيد الروائي والفني مثّلت شخصية «فرانكنشتاين» قفزة نوعية، فهي كانت تجربة لصناعة الأسطورة وليس استخدامها من الوعي الميثالوجي المتوارث، وهي حفزت صُنّاع السينما على إطلاق العنان أمام مهاراتهم في الخيال واستخدام الفانتازيا. لكّن هذه الرواية بقيت حتى الآن شاهدة على انفلات النماذج المصنعة مخبريًا عن إرادة مبتكريها.

كان فيكتور فرانكنشتاين هو الطالب العبقري الذي قادته تجاربه ل «تخليق» مسخ لا يحمل اسمًا، ظلّ منبوذًا يراكم مشاعر الحقد والكراهية والانتقام، حتى اشتدّ عوده فأصبح نموذجًا للدموية والعنف، وصار والده «المفترض» أبرز ضحاياه، فقد هاجم خطيبته «إليزابيث» ليلة زفافها وقتلها. ونكّل بفرانكنشتاين نفسه لكي يصنع له زوجة من سنخه تضمن له التكاثر «ليبقى ويتمدد!»، وفي النهاية يفشل فرانكنشتاين في التخلص من هذا المسخ الذي رّوع به العالم، ويمضي هو صريعًا في المواجهة معه.

كانت «فرانكنشتاين» أحد ابتكارات عصر الصناعة الأوروبية، فالقدرة على استخدام العلم حفّزت روائية شابه للذهاب بعيدًا في تكوين شخصية مبتكرة من تجارب مخبرية، ولكنها ممزوجة بالصراعات، وتحمل كل إحباطات المجتمع.

هل كان ذلك المسخ الدموي مجرد خطأ، أو خطيئة علمية جعلته ينقلب على مصنعيه؟.. هل كان مجرد طفل بريء كان ضحية مشاعر الاحتقار، التي حولته إلى وحشٍ؟.. هل كانت الرواية تعالج سلوك مجتمع قادر على إنجاب الأشقياء وتدوير مشاعر العنف بين أبنائه، أم كانت تركز أكثر على تسخير العقل العلمي «أو الاستخباراتي» لأهداف القتل والتدمير وإنتاج التنظيمات الإرهابية التي يمكن أن تنفلت من رقابة مصنعيها؟

كونه قبيحًا أو منبوذًا لا يعني بالضرورة أن يكون عنيفًا.. لنتذكر أنه في نفس الفترة تقريبًا، أي في عام 1831، ولدت في باريس رواية «أحدب نوتردام» لفيكتور هوغو، هي الأخرى تتحدث عن شاب يحمل عاهة في وجهه وعلى ظهره جعلته منبوذًا ومحتقرًا، لكن حبّه لفتاة جميلة أيقظ فيه نوازع الخير والتفوق.

لقد أراد فرانكنشتاين لصنيعته أن تكون في صدام مع الحضارة الإنسانية، ولذلك عمل على عزلها عن هذه الحضارة قلبًا وقالبًا.. أرادها بصورة لا تشبه صور الناس الطبيعيين، وبسلوك لا يمت إليهم، وبقسوة تتفوق على الوحوش، وأرادها مجردة دون اسم لتصبح قالبًا جاهزًا لكل أشباهها وأمثالها على مرّ الزمان والمكان.