آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 1:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نيوزيلندا

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

أكتب هذا المقال من نيوزيلندا، البلد الواقع في أقصى الجزء الجنوبي من الكرة الأرضيّة في جنوب غربي المحيط الهادي على مسافة تقارب 1600 كيلومتر شرق أستراليا.

هي واحدة من الدول الحديثة، بل هي من آخر الدول التي اكتشفها الرحالة واستوطنوها، وأصبحت جزءا من العالم الجديد. وصلها أولا الماوري، السكان الأصليون في نيوزيلندا، قبل أكثر من ألف عام مضى، على متن زوارق من جنوب شرقي المحيط الهادي. بعد ذلك اكتشفها الأوروبيون في عام 1642 من قبل المستكشف الهولندي إيب تازمان، ولكن بعد أن اكتشفها الرحالة البريطاني جيمس كوك بدأ زحف الاستعمار البريطاني إليها، وارتفعت نسبة المهاجرين البريطانيين وبعض الأوروبيين، وأصبح الماوري حاليا يشكلون نحو 15 في المائة من السكان.

لذلك، فهذه الأرض الخلابة فائقة الجمال لا تملك تاريخا تفاخر به، ولا تدعي أنها أصل البشرية أو مبتكرة الأبجدية أو أم الحضارات، وليست لها صلة بشريعة حمورابي ولا أهرامات الجيزة، لكنها الدولة الأكثر تميزا على سطح الكرة الأرضيّة، خاصة في مجال التنمية البشرية وإسعاد الناس.

قبل شهور أصدرت إحدى الهيئات التابعة للأمم المتحدة في نيويورك تقريرًا لأكثر شعوب العالم سعادة على وجه الأرض لعام 2015، وشملت معايير اختيار هذه الدول: معدل الدخل القومي للفرد، بالإضافة إلى الحصول على أعلى معدل للرعاية الصحية، وحرية الرأي والتعبير وانخفاض معدل الفساد، فكانت نيوزيلندا من قائمة الدول العشر لأكثر الشعوب سعادة، وقد صنفتها دراسات أخرى في رأس قائمة مؤشر السلام العالمي، والدولة الأقل فسادا في العالم، وهي تتصدر قائمة الدول الأكثر شفافية.

النيوزيلنديون بشوشون ويظهرون ترحيبا بزائريهم، وتبدو عليهم مظاهر السعادة، وبلادهم مترفة بالجمال، ولا يعانون من أي اكتظاظ سكاني، ومع ذلك فدخل الفرد ليس عاليا بالقياس مع شعوب أخرى أقل منهم سعادة، حيث يقدر الناتج القومي بنحو 188 مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد نحو 42 ألف دولار. وتُعد نيوزيلندا من أوائل بلدان العالم التي تطور نظاما وطنيا للرفاه، ويعد نظام الفوائد العائلي النيوزيلندي الأكثر كرما بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكن هذا الدخل المرتفع نسبيا لم يمنع الدولة من تطوير برامج التنمية المستدامة. وتمتلك نيوزيلندا كبرى بحيرات العالم، كما تحتضن سهولها ثروة حيوانية تشكل عَصب الاقتصاد المحلي، لكن توزيع نسب الدخل لا يعطي أولوية لمصدر وَاحِد من قوى الإنتاج، مع وجود برامج مكثفة لترشيد الاستهلاك خاصة في مجال الطاقة.

أما التعليم فيشكل أحد روافد التنمية، فنيوزيلندا تعتمد نظاما تعليميا متطورا مكنها من حجز موقعها عالميا بين أهم الدول التي تعتمد على اقتصاد المعرفة. وبحسب كتاب «تعلومهم» لوزير التعليم السعودي السابق الدكتور عزام الدخيل، فإن نيوزيلندا تتموضع بين الدول العشر الأولى في مجال التعليم. وصنّف تقرير «بيرسون» عن التعليم في 2012 نظامَ التعليم في نيوزيلندا في المرتبة الثامنة على مستوى العالم في المعرفة والتحصيل العلمي بعد هولندا. وجاءت نيوزيلندا في المرتبة 17 عالميا في مجال الإبداع، بحسب تقرير الإبداع العالمي الصادر عن «إنسياد» لإدارة الأعمال عام 2013. وقد انعكس تطور التعليم في نيوزيلندا على تطورها وتقدمها اقتصاديا، فنالت المرتبة 18 عالميا من حيث القدرة التنافسية الاقتصادية لعام 2013 - 2014.

ولعل كلمة السر في تطور نيوزيلندا هي التسامح والحداثة، فهذا البلد الذي بدأ متأخرا وظف طاقاته الاقتصادية والفكرية في بناء دولة حديثة قائمة على التآخي، وتعتمد نظاما ديمقراطيا ومنهجا يقوم على الحداثة. هنا نموذج لدولة متقدمة بلا تاريخ، في عالم يغوص عميقا في التاريخ ولا يملك شمعة نحو المستقبل.