آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

«1» علم الكلام الجديد

الدكتور توفيق السيف *

تحفل الكتب والمؤلفات المعنية بقضايا الإصلاح والتجديد الديني بالحديث عن علم الكلام الجديد. ما هو هذا العلم وماذا يميزه عن علم الكلام القديم؟

علم الكلام موضوعه العقائد في المعنى المتعارف، أي التوحيد والصفات والنبوة والامامة والآخرة. لكن قد نريد توسيع المفهوم فنقول أنه القاعدة الفلسفية التي تقوم عليها الشريعة ونظام العمل في المجتمع المسلم.

لكل مجتمع قوانين وقيم ونظم علاقات، ومعايير للاختبار والنقد والتصويب والتخطئة والقياس. جميع هذه المعايير والقيم والقوانين تقوم على قاعدة فلسفية واحدة، هي التي تميز نظاما إجتماعيا بأكمله عن الانظمة الاخرى. بالنسبة للمسلمين، فان القاعدة التي يقوم عليها نظامهم الإجتماعي هي مانسميه بالعقيدة. وعلم الكلام هو الحقل العلمي المتخصص بدراسة هذه العقيدة.

كان علم الكلام نشطا حتى القرن الثاني عشر الميلادي. وتركزت نقاشاته حول العقائد الكبرى، سيما التوحيد واسماء الله وصفاته والنبوة والامامة. وخلال القرن الحادي عشر خصوصا جرى تنظير الفروق بين الفرق والمقالات المختلفة في الموضوع. ويبدو ان الباعث على الاهتمام بهذا الجانب، هو الميل الذي تفاقم منذ القرن العاشر الميلادي لتحويل المذاهب والمدارس السياسية والكلامية، إلى منظومات اجتماعية متكاملة، أي ما نسميه الان طوائف. ثم تراخى الإهتمام به، واتجه الدارسون إلى الإهتمام بالفقه، وهو العلم المختص بدراسة احكام الشريعة، أو ما يسمى بالفروع. وسنأتي على الفارق بين الاثنين في وقت لاحق.

وهناك دعوة حديثة بدأت أوائل القرن العشرين تقريبا، لكنها بقيت محدودة، ولم تثر كبير اهتمام. ثم عادت إلى دائرة اهتمام المفكرين أواخر القرن العشرين، ضمن إطار أوسع، يتضمن دعوة لمراجعة الفقه والفلسفة الإسلامية وعلم العقائد، ليس للنظر في القضايا التي انتهى بحثها، مثل موضوع التوحيد والألوهية، أو موضوع النبوة والامامة والقيامة، بل انصب اهتمام الداعين اليها على ما يوصف بالرؤية الجديدة للعالم. هذه الرؤية تحاول اعادة تشكيل قاعدة فلسفية دينية يقوم عليها تصور الفرد لذاته وللعالم، النظام الاجتماعي والقانون ونظم العلاقات الداخلية، والقيم والمعايير التي توجه او تضبط الحركة في المجتمع المسلم.

كمثل على تلك الموضوعات، ثمة نقاش حول العلاقة بين العلم والدين، حدود دور العقل في تحديد القيم، مضمون الرابطة الإجتماعية التي تربط بين افراد المسلمين، ويتشكل على ضوئها ما نسميه المجتمع السياسي، والعلاقة بين القيم الاسلامية ونظيرتها في الديانات الاخرى. يبدأ هذا النقاش بسؤال حول البنية الداخلية للمجتمع المسلم، هل هي قائمة على التعاقد بين الافراد، ام أن المجتمع المسلم بنيته عضوية، كما جرى فهمه في الماضي؟.

ومثل ذلك النقاش حول قيمة النص وبقية مصادر التشريع. وهو بحث يقود بالضرورة إلى مصادر السلطة في المجتمع المسلم. ثمة اتجاه قوي في الفكر الاسلامي المعاصر، سيما الاتجاه الاصلاحي، يرى ان المجتمع هو وعاء السلطة، وان اختيار العقلاء لا يقل قيمة عن الاحكام المنصوصة، وان مضمون السلطة هو تمثيل المجتمع، أي ان السلطة لا تكون مشروعة الا بتفويض عامة الناس ورضاهم.

هذا يخالف التفكير القديم الذي ورثناه عن الاسلاف، والذي يميل إلى اعتبار السلطة موجودة في مكان ما خارج المجتمع. اما باعتبارها حقا خاصا للرسول، ثم الأئمة والخلفاء، ثم اقرب العلماء إلى صفات هؤلاء. او القول بتبعيتها لموضوعها أي حفظ النظام العام، فهي للمتغلب الاقدر على ضمان الامن والاستقرار.

تاريخيا، يحيل بعض الباحثين مسمى ”علم الكلام الجديد“ إلى الاستاذ شبلي نعماني. هل هذا دقيق، ام أنه أقدم من ذلك؟.

اشتهرت نسبة المصطلح إلى شبلي نعماني «1857 - 1914م»، وهو داعية ومفكر هندي، لانه نشر كتابا حمل عنوان ”علم الكلام الجديد“. واظنها المرة الأولى التي يصدر فيها عمل علمي بهذا العنوان. وبالمناسبة فان حركة التجديد الاسلامي في شبه القارة الهندية كانت أول من طرح هذا النوع من النقاشات. واشير إلى ان السير سيد احمد خان «1817 - 1898» وهو من اساتذة النعماني، كان قد تحدث قبله عن الحاجة إلى ”علم كلام جديد“. كما تحدث عنه الشاعر والفيلسوف محمد اقبال «1877 - 1938» بعد ذلك. وكان محور اهتمام الاصلاحيين الهنود، هو تقديم فكر اسلامي يستجيب لتحديات الحضارة الغربية، ويبرهن على قابلية الاسلام لاستيعاب الحداثة. ولعل مبعث هذا الاهتمام المبكر هو كون شبه القارة الهندية من أوائل المجتمعات الاسلامية التي واجهت تحدي العلاقة الثقافية مع الغرب.

على أي حال ليس لدي معرفة مفصلة بالمسار التاريخي للفكرة. لكني افترض انها، مثل سائر العلوم، تتطور وفق نمطين: نمط تراكمي ونمط انقلابي. في أوائل القرن العشرين شهدت ايران بروز تيار تجديدي في إطار الثورة الدستورية «1905 - 1908» وتمحور جدلها حول موضوع السلطة. وبطبيعة الحال فقد كانت مسالة الامامة عنصرا مهما في الجدل، نظرا لان جدلية السلطة عند الشيعة تبدأ بمسالة الامامة. وقدم مؤيدو الحركة الدستورية اجتهادات تشكل - في رأيي - اختراقات مهمة في الفقه السياسي.

في هذا الوقت نفسه، أي أوائل القرن العشرين، كان ثمة حراك فكري تجديدي في مصر وبلاد الشام. ونعرف ان تلك الحقبة شهدت ظهور الكتابات التاسيسية لجمال الدين الافغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وامثالهم. اهتم هؤلاء وتلاميذهم - محمد رشيد رضا مثلا - بمعالجة الاشكالات الجديدة التي تحيط بفكرة الخلافة، وامكانية التوصل إلى نظرية حول قيادة سياسية - دينية، تقدم بديلا اصلح من النموذج القائم في الدولة العثمانية.

ماحدث في إيران وماحدث في المشرق العربي، كان ردا على الاستبداد من جهة، وعلى التحدي الأوربي من جهة ثانية. لكنا نلاحظ ان ذلك الحراك قد توقف عند بداية العقد الثالث من القرن العشرين. ولم يحدث تراكم علمي حول الافكار الأولية التي طرحت في تلك الحقبة.

واستمر هذا التوقف حتى اواخر العقد السابع من القرن العشرين، الذي شهد اهتماما مستجدا بعلم الكلام الجديد وموضوعاته. واعرف اليوم ان هناك تراكما طيبا في الابحاث المتعلقة بهذا المجال، آمل ان تتواصل وتتعمق حتى تتحول الى مسار بحث رئيسي في حقل العلوم الدينية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.