آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

«2» علم الكلام الجديد

الدكتور توفيق السيف *

هل يمكن الحديث عن نهضة جديدة في علم الدين، وفي الثقافة الدينية عموما، نهضة لديها مقومات الإستمرار والتواصل... أم أن الأمر لازال غير واضح الإتجاهات؟

مانراه اليوم ليس متصلا - عضويا - بالنهوض الثقافي الذي عرفه العالم الاسلامي في بداية القرن العشرين. وهو - من ناحية اخرى - مختلف عنه في محاور اهتمامه ومقوماته. وأظن أن ظروفنا الراهنة تسمح بالظن بان المرحلة الجديدة، سوف تقود إلى تراكم علمي مستمر، ربما يعطينا علم كلام اكثر عمقا وانسانية واستيعابا لعصرنا وحاجات الانسان فيه.

فرص الإستمرار في النهضة الحالية أقوى بكثير من النهضة السابقة، لسببين بسيطين:

أولهما: دخول عامة الناس في المشروع. في المرحلة الأولى كان المشروع قصرا على عدد صغير من النخبة. اما في الوقت الراهن فهو مشروع العرب والمسلمين جميعا. بحسب تعبير المرحوم مالك بن نبي فان شعوب الامة الممتدة من جاكرتا إلى طنجة، متفقون على ضرورة المشاركة في صناعة نظامهم السياسي، والمشاركة في صناعة مستقبلهم. لعلهم يختلفون في كيفية المشاركة، لكنهم متفقون على مبدأ كونهم شركاء في صناعة النظام السياسي الذي ينتمون اليه، وان الدولة ليست عالما منفصلا عنهم. هذه الفكرة أصبحت من المسلمات التي لا يجادل فيها أحد.

السبب الثاني: توفر وسائل الإتصال الجمعي. فعندما اتحدث عن ”طبائع الإستبداد“ وهو ربما أهم الكتب التي ظهرت في تلك المرحلة، سوف نجد أنه طبع في 500 نسخة، ولعلها لم تخرج من حدود بلاد الشام عدا بضع نسخ.

اما الآن فعندما تكتب مقالا أو تنشر كتاباً، فسوف يصل إلى كل مكان، ضمن فاصل زمني لا يتعدى ساعات أو أياما. بعبارة اخرى فإن الفكرة التي ينتجها شخص واحد، سرعان ما تصبح قضية عامة. وصول الناس إلى مصادر المعلومات يمكنهم من الحوار في القضية المطروحة وحولها. الحوار الذي يشارك فيه عدد كبير من الناس، يتحول سريعا إلى مادة غنية بالاسئلة والحلول المقترحة، وهذا يقود - بالضرورة - إلى تجاوز الطروحات الأولية، إلى مستويات اعلى من الاسئلة والحلول. تعميم الفكرة يؤدي إلى تطويرها، وقابلية الفكرة للتطور تزيد فرص استمرارها وتجعل تاثيرها اعمق وأوسع.

كيف تؤثر العلوم الحديثة سيما في حقل العلوم النظرية والانسانية على علم الكلام الجديد؟

اتذكر ان أول درس لي في اصول الفقه، كان يدور حول التعريف بالعلوم التي يعتمد عليها الفقه. يومئذ ذكر استاذنا علم النحو واللغة والبيان وذكر علم الرجال والدراية وتفسير القران والمنطق، باعتبارها جميع ضرورية لدارس الفقه. نعلم اليوم ان كلا من هذه العلوم قد تشعب وتفرع، ونعلم ان علوما اخرى قد انضمت إلى العلوم الضرورية لدارس الفقه، مثل علم الاجتماع والاقتصاد والفلسفة وغيرها. بكلمة اخرى فان لكل من هذه العلوم وتلك، دو مؤثر في فهم خطاب الشارع وتطبيقاته. يجدر القول ان تطور تلك العلوم يستوجب انعطافا موازيا في الدراسات الدينية، يتناسب مع القضايا والاسئلة الجديدة.

اشير ايضا ان إلى ان ميل الحياة المعاصرة إلى التعقيد الشديد، قد ادى إلى تعقيد مواز لموضوعات الحكم الشرعي، فظهرت صيغ كثيرة جديدة، يصعب - منطقيا - حشرها في عباءة الأحكام القديمة، أو حصر مسارات تعريفها وتشخيصها وتكييفها، وبالتالي استنباط الأحكام المتعلقة بها، في إطار العلوم القديمة.

حتى وقت قريب كان النقاش الفلسفي في المدارس الدينية، محصورا في الاسئلة ومسارات النقاش التي ورثناها عن الفلسفة اليونانية. لكن عددا من المفكرين المسلمين يتفاعلون اليوم مع الاتجاهات الجديدة في الفلسفة، سيما في نظرية المعرفة التي تطرح نقاشات واسئلة تختلف جذرياً أو جزئياً مع النظريات اليونانية التي اعتدناها.

تطور العلوم هو انعكاس لتطور وتعقد الحياة الانسانية نفسها. كمثل على هذا فان القضايا التي تنطوي على جوانب اقتصادية، لا يمكن فهمها أو استنباط احكامها دون معرفة بعلم الاقتصاد، أو الاعتماد على اهل هذا العلم. كذلك الحال في القضايا التي تنطوي على جوانب قانونية أو اجتماعية أو طبية أو سياسية.. الخ. هذا يظهر ان دائرة العلوم القديمة التي حددت كمدخلات للبحث الفقهي، لم تعد كافية في ظل التحولات العميقة التي يمر بها عالم اليوم.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.