آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

شركاء لا أقليات

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

على سور حديقة «الأزبكية» بالقرب من ميدان العتبة بالقاهرة، وفي يوم مصري مغموس بعناء الحياة اليومية، لفتَ نظري كتابٌ مُهملٌ وسط آلاف الكتب المستعملة التي يعرضها الباعة في هذا المكان، لا تبدو الرحلة للقاهرة ممتعة دون المرور بسور الأزبكية.

كان ذلك الكتاب هو «المدخل لدراسة الأقليات»، لمؤلفته الدكتورة سميرة بحر، ومن منشورات مكتبة الأنجلو المصرية «1982»، قال لي بائع الكتب، إنه باع نسختين من هذا الكتاب ل «اثنين من إخوانا الأقباط»، حسنًا هذا العبارة فكّت نصف اللغز، وأزاحت نصف القضية عن كاهل أي باحث.

المصري العادي غير المسيّس أو المؤدلج، يرى القبطي شريكه الوطني ويسمي جماعته الدينية «إخواننا». فمن أين جاء مصطلح «الأقلية»، ومصطلح «الأكثرية»، اللذان يكثر استخدامهما في فترة الأزمات والصراعات السياسية كمحاولة لاستعراض قوة، أو منع مجموعة من امتلاكها.

لا يمكن قراءة مصطلحي «الأكثرية» و«الأقلية»، بمعزل عن السياسة، فهما تعبيران سياسيان بامتياز؛ يرمزان إلى نسبة لتوزيع القوى السياسية نتيجة ما حصلت عليه جراء العملية السياسية، وليسا تعبيرًا عن تقسيم اجتماعي. لماذا..؟ لأن الدولة القومية ضمنت تمثيل مواطنيها بكافة فئاتهم وشرائحهم، هي نفسها نصّت في دساتيرها على أن مواطنيها «متساوون» في الحقوق والواجبات، وهي اتخذت شعارًا وطنيًا يدمج السكان في هوية مشتركة. فهل ثمة مواطن أعلى من أخيه..؟

حتى من درس هذا المفهوم، اعتبر أن مفهوم الأقلية يعتمد على «التمايز»، تارة، أو «التمييز» تارة أخرى، هنا تتكون الأقلية، في مقابل الأكثرية. الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية عرّفت الأقلية بأنها: «جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقيا أو قوميا أو دينيا أو لغويا، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية».

أما لويس ويرث أستاذ علم الاجتماع الحضري، أحد أعضاء مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع، فقدم مقاربة أكثر وضوحًا، عرّف الأقلية بأنها «جماعة من الناس تنفصل عن بقية أفراد المجتمع بصورة ما نتيجة خصائص عضوية أو ثقافية، وتعيش في مجتمعها في ظل معاملة مختلفة غير متساوية مع بقية أفراد المجتمع، ومن ثم تجد هذه الجماعات نفسها عرضة للتفرقة أو التمييز».

الغريب أننا في ظل الأزمات الوطنية، يأتي من يقسّم الناس إلى أكثريات وأقليات، وهو يعلم أن ذلك يضعف التجانس الوطني ويغرس عميقًا الشعور بالعزلة والدونية لدى فئات من السكان. خطورة ما يحدث أنه يضع فاصلة شعورية تنمو مع الوقت، وتعرقل العمل نحو الاندماج. وهناك من يستخدم هذا التعبير إمعانًا في الاستقواء الرمزي تجاه مخالفيه، لكنّ ذلك يعمق المشكلات ولا يساهم في حلّها.

لا يعفي ذلك من يوصمون بالأقلية من تحمل مسؤولياتهم. فكما يتعين مدّ اليدّ إليهم وتطمينهم واحتضانهم، يتعين عليهم كذلك الخروج من أسر الشعور الأقلاوي، وألا تصبح الهوية الفرعية سجنًا يحجبهم عن شركائهم في الأرض والوطن.