آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

«4» دور العقل في التشريع - أ

الدكتور توفيق السيف *

ماهو الفيصل بين علم الكلام القديم والجديد؟.

علم الكلام القديم يعتبر الموروث من نصوص وآراء، معيارا للمقارنة والترجيح. اما الجديد فيميل للتركيز على القيم الكبرى التي قام عليها الدين، أو أراد اقرارها في حياة الناس، باعتبارها المعيار الرئيس للمقارنة والترجيح. من بين هذه القيم على سبيل المثال الحرية والعدل والمساواة الخ. وقد اطلق عليها قدامى الفلاسفة والمتكلمين اسم المستقلات العقلية، بمعنى انها قائمة بذاتها وهي دليل على غيرها، ولا تحتاج إلى دليل على صحتها أو أرجحيتها. وسبب استقلالها هو اتفاق عقلاء العالم عليها في غابر الزمان وحاضره. يميل دعاة الكلام الجديد إلى اعتبار هذه القيم معايير سابقة للدين، أي حاكمة على أحكامه، فلو توصل فقيه إلى رأي يتعارض معها، فان مفادها مقدم وحاكم عليه، حتى لو استدل الفقيه على ذلك الرأي بنص قطعي السند والدلالة.

في الازمان الماضية، دار جدل حول الحسن والقبح العقليين، ومؤدياته قريبة من هذا المعنى.

صدقت. وهذه من نقاط القوة الظاهرة في الدعوة الجديدة. فهي لم تأت بكرا بلا سابق، وليست من دون أساس تاريخي. لكن يهمني الاشارة إلى ان الجدل القديم حول ذاتية الحسن والقبح في الافعال، لم يتطور إلى قاعدة حاكمة. فيما يخص الفقه مثلا، فان اغلبية الفقهاء يميلون إلى الرأي الاخباري القائل بان ما تم تعريفه في الشرع كحسن أو قبيح فهو مقدم على التعريف العقلي.

دعنا نبقى في هذه النقطة، حيث يتضح ان لدينا رايين في الفكر الاسلامي، احدهما يؤمن بحاكمية العقل والثاني ينكر هذا. في النظرة الأولى يبدو الأول اكثر واقعية، لكن ميل اغلبية الفقهاء للثاني يشير إلى انه قائم على ادلة قوية. اليس كذلك؟.

هذا صحيح. وقد دار حول الموضوع جدل عريض بين قدامى المتكلمين والاصوليين. يبدأ هذا الجدل بسؤال: هل لأفعال الانسان قيمة في ذاتها، ام ان قيمتها مستمدة من الفاعل أو الإطار الذي يجري فيه الفعل؟.

الجزء الأول من السؤال يعني ان بعض الافعال حسن في ذاته وبعضها قبيح في ذاته، وان تحسين الشارع وتقبيحه لها تابع لهذه الحقيقة، وليس مضافا اليها أو منفصلا عنها. يترتب على هذا الرأي، قول اكثر أهمية في التطبيق، فحواه انه طالما كان الحسن والقبح منطويين في ذات الفعل، فان العقل - بمفرده - قادر على كشف هذه القيمة والحكم على الفعل بناء على كشفه، لأن اصل القيمة، أي الحسن والقبح، اعتبار عقلي.

مال جميع الاخباريين تقريبا إلى نفي الفكرة السابقة. وقرروا ان القبح والحسن ليسا حقائق مستقلة، بل هي أوصاف قيمية تستدعي بيانا من مصدر القيم، أي الشارع المقدس. وعليه فان تقبيح فعل أو تحسينه غير موجود قبل وصف الشارع له على هذا النحو. خلافا لهذا، مال معظم الاصوليين إلى الاقرار بوجود حسن أو قبح ذاتي في الفعل، سابق لبيان الشارع. وان البيان الشرعي ليس انشاء لحقيقة جديدة، بل هو اقرار وتصديق لحكم العقل. وطبقا لتقرير الشهيد الصدر فان معظم الاصوليين يميلون إلى القول بان ”الحسن والقبح صفتان واقعيتان يدركهما العقل، كما يدرك سائر الصفات والامور الواقعية“، لكنهم ربما اختلفوا في امكانية تاسيس حكم شرعي على اساس الكشف العقلي.

تفرع النقاش في المسألة وتشعب إلى معان كثيرة. من بينها جدل حول الفارق بين الحسن والقبح المتصل بقيم مطلقة مثل العدل والظلم والانصاف والحيف والعلم والجهل الخ. أي الافعال التي تؤدي مباشرة إلى هذه القيم، وبين الحسن والقبح العرضي، ويتعلق بالافعال التي ليس لها قيمة في ذاتها، لكن القيام بها يؤدي - عادة - إلى تحقيق احدى القيم السابقة.

يبدو لي ان هذا النقاش لم يولد في الدائرة المعرفية الاسلامية، بل جاء اليها من الفلسفة اليونانية القديمة.

هو كذلك. فقد سبق الفيلسوف اليوناني الشهير ارسطو إلى تقسيم الافعال إلى نوعين: فعل هو في ذاته غاية praxis وفعل هو وسيلة لنيل غاية منفصلة عنه poiesis، فالأول قيمته فيه، والثاني قيمته في ما يؤدي اليه. وهذا التقسيم كما هو واضح جزء من فلسفته المعروفة بالغائية، والتي فحواها ان قيمة الاشياء تتقرر تبعا لما ينتج عنها وما تؤدي اليه. ولا أعلم ان كان الجدل في الوسط الاسلامي متأثر مباشرة بآراء أرسطو، أم انه مجرد تلاق في الاساس الفلسفي للنقاش.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.