آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

«6» الإيمان والحرية

الدكتور توفيق السيف *

بالعودة إلى العقيدة، اود ان اسأل سؤالا عاما: من أين تأتي الحاجة للإعتقاد. اليس اتخاذ دين محدد أو شريعة معينة تقييد لحرية الفرد؟

في النظرة الأولى: كل انتماء هو قيد، وكل اعتقاد هو قيد، وكل قانون هو قيد. ولهذا لعل من الافضل لنا ان نسأل: هل ينبغي للعاقل ان يقبل بالقيود؟.

لعل ابرز من طرح هذا السؤال هو المفكر الفرنسي جان جاك روسو في المناقشات التي مهد بها لنظريته في ”العقد الاجتماعي“. وهو يقول ساخرا ان العقلاء مشوا بأرجلهم إلى سجن الجماعة والقانون. حين تنضم إلى أي جماعة، وحين تسكن في أي مدينة، فانت مضطر ”للتقيد“ بالنظم والأعراف السائدة فيها، حتى لو كنت تكرهها أو تعتبرها غير عقلائية. بعبارة اخرى: انت مضطر للتنازل عن بعض حريتك في فعل ما تشاء، مقابل التمتع بفضائل الحياة الاجتماعية. من يريد ان يعيش من دون قيود فعليه ان يعيش وحده، في غابة أو صحراء مثلا.

لكن روسو يقول ان الانسان في مجتمع ما قبل المدينة لم يكن حرا بالمعنى الواقعي. كان عليه ان يفعل كل شيء بنفسه بما فيه حماية نفسه واملاكه وتدبير معيشته. وانشغاله بالبقاء حيا سوف يحول دون استثمار الحرية المطلقة التي يفترض انه يملكها. اما في المدينة فان كثيرا من هذه المهمات تقوم بها الجماعة نيابة عنه، مما يمكنه من استثمار ذلك القدر من الحرية الذي يتوافق عليها المجتمع في تحقيق مراداته. حرية الانسان في الحالة الطبيعية مشروطة بقوته الجسدية التي تمكنه من فعل ما يشاء، والاكثر حرية هو الاكثر قوة والعكس بالعكس. اما في المجتمع المدني فان حقوق الانسان وحريته محمية بالقانون والسلطة التي تنفذه نيابة عن المجموع. بعبارة اخرى فان ما يخسره الفرد حين ينضم إلى المجتمع المدني، هو حريته في استعمال قوته الجسدية لممارسة حرياته الاخرى. وما يربحه هو اعتراف المجتمع بحريته المدنية وملكية ما يحوزه، باعتبارها حقوقا ثابتة لا تحتاج إلى قوة جسدية تحميها. وحسب روسو فانه لا فرق بين الحريتين الطبيعية والمدنية من حيث الجوهر والمحتوى. انما تختلفان في الارضية التي تقوم عليها والحدود النهائية لكل منهما. من هنا قد يمكن القول ان الحرية المدنية هي ذاتها الحرية الطبيعية، لكن مع تاطيرها وتحديدها بالارادة العامة المتمثلة في القانون.

الارضية التي يقوم عليها هذا المفهوم هي التمييز بين الحرية والقدرة. ”انا قادر على“ هي شيء مختلف عن ”انا حر في“. يستطيع الانسان فعل ما يشاء، حين تغيب الموانع التي تحول بينه وبين مقصوده أو تزاحم فعله فيه. وما دام الفرد يعيش مع الاخرين فان تلك الموانع حاضرة. ان الظرف الوحيد الذي تغيب فيه الموانع والمزاحمات للحرية الفردية تماما هو ظرف العزلة، أي حين يعيش الفرد وحيدا وبعيدا عن أي فرد آخر، لان مفهوم الحرية لا يكون له موضوع، الا حين يوجد آخرون تتزاحم إراداتهم مع إرادات الفرد.

نأتي الآن إلى سؤال العقيدة والشريعة وتقييدهما للحرية. الحاجة إلى الإعتقاد تأتي من الحاجة إلى الإنتماء. يمكن للإنسان أن يعيش بمفرده. لكنه في وقت من الأوقات سيشعر بالفراغ وبأن قيمته قليلة. قيمة كل فرد وموقعه في النظام الاجتماعي يتحدد بموقف الافراد الآخرين منه.

حتى ينتمي الإنسان إلى جماعة، فإن عليه أن يدفع ثمن الحياة الإجتماعية. اذا عشت في مدينة فعليك الالتزام بقوانينها ونظام الحياة فيها، في السير وفي الحركة وفي البناء وفي غير ذلك.

كل نظام في داخله حدود تقيد حرية الفرد. نحن نطالب بالحرية في اقصى تجلياتها. لكننا نتحدث عن الحرية في مجتمع يخضع للقانون وليس مجتمع الغابة. المجتمعات المسلمة تعتمد القانون المستمد من الشريعة أو المنسجم مع القيم الدينية. لو كنت في بلد غير مسلم فستخضع لقانون آخر مستمد من مصادر اخرى. بعبارة اخرى فان أي حياة مدنية تتطلب قانونا يلتزم به الناس، وكل قانون يؤدي بالضرورة إلى تقييد لحريةالفرد. لكن هذا ثمن نرتضي دفعه كي نبقى متحضرين.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.