آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 3:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«8» الايمان في مفهوم كوني

الدكتور توفيق السيف *

النقطة الاخيرة، أي اعتبار كل مساهمة في عمران العالم عملا دينيا، جديرة بالاهتمام. لكني لا أظن احدا من المسلمين سيقبلها.

صدقت. هي غير مقبولة لان النسبة إلى الدين باتت منصرفة في معظم الاذهان إلى الانتماء الاجتماعي. فكأن الدين تحول في الفهم العام إلى مرادف للجماعة الدينية. وليس إلى رسالة الله بما هي. لو اخذنا بعين الاعتبار فكرة الحسن الذاتي والقبح الذاتي في الافعال، لسهل علينا القاء القيمة الدينية على كل عمل يعتبره العقلاء طيبا ومفيدا، ايا كان فاعله. ونبذ كل عمل يعتبره العقلاء قبيحا وضارا، أيا كان فاعله.

أود اضافة إلى ذلك، معالجة الفكرة من زاوية اخرى، هي عالمية الدين. واظنها سوف تساعد في توضيح ما أرمي اليه. واشير في هذا الصدد إلى نقطتين مهمتين:

الأولى: ان محور الرسالة الالهية هو تمكين البشر من بلوغ اعلى درجات الكمال الممكن، من خلال مساهمة كل منهم، كأفراد أو كجماعات، في تسخير الطبيعة وعمران الارض. فكل عمل يسهم في تحقيق هذه الغاية، اي ارتقاء الانسان أو عمران الارض، يعتبر استجابة للرسالة، أي طاعة لله - بحسب التعبير المتعارف -.

الثانية: نؤمن من حيث المبدأ بان رسالة الله ليست لأهل بلد دون بلد، ولا لقوم دون آخرين. بل هي موجهة إلى جميع البشر في كل زمان ومكان. كونها لجميع البشر، يعني ان كلا من هؤلاء شريك في حملها وتطبيقها وتحقيق غاياتها وتطوير مفاهيمها وتطبيقاتها، في جانب واحد أو في جوانب متعددة. هذا يعني احترام تجارب البشر في أي مكان كانوا، وبأي دين أو مذهب دانوا.

كل من هذه التجارب لبنة في عمران الأرض، وكل فرد من سكان الكوكب شريك فيها. بعبارة أخرى فإن التفكير في الدين كرسالة كونية متفاعلة مع الناس جميعا، يعني أن الأفكار والآراء التي توصل إليها البشر خلال تاريخ الإنسانية الطويل، لا ينبغي أن تعامل كشيء ''أجنبي'' عن الدين أو غريب. بل باعتبارها ثمرة لتطور الوعي الإنساني في الكون ونظامه، وهذا تمهيد لا غنى عنه لفهم فكرة ''تسخير'' الطبيعة، التي عرضها القرآن الكريم كواحدة من أعظم نعم الخالق سبحانه وكضرورة لعمران الأرض والارتقاء بحياة البشر.

احترام تجارب البشر ونتائجها، يعني القبول بإدراجها ضمن نسيج القيم التي تحظى بمكانة دينية، أو تحظى بتقدير لا ينفك عن تقدير الضرورات الحياتية وما ينتجه الإنسان على أرضية الدين. لا عيب في الأخذ بأي مبدأ أو منتج فكري أو تقني، طالما كان يجسد أو يخدم القيم العليا التي أقرها الدين أو جاء بها.

في الفكرة التي نقلتها عن السيد محمد تقي الحكيم فيما يخص ادراك العقل للحسن والقبح في الافعال، يظهر انك قبلت فكرة ان الافعال التي يراها العقلاء حسنة أو قبيحة لا تترتب عليها قيمة دينية، أو ثواب وعقاب الهي، بل قيمة دنيوية فحسب. الا تنطبق هذه الفكرة على الاعمال الحسنة لغير المسلمين «موضوع جوابك السابق»؟.

نعم. أنا اقبل رأي الحكيم ضمن إطاره المنهجي وأراه ضروريا. لكننا نتحدث هنا في إطار مختلف قليلا. كان الحكيم ومن نقلنا عنهم في محله، يعالجون مسألة في أصول الفقه، خلاصتها في السؤال الآتي: إذا علمنا من الكتاب أو السنة أن الشارع المقدس حرم فعلا أو أوجب فعلا، اعتبرناه حراما أو واجبا بلا خلاف. فماذا لو قرر العقلاء - من دون الرجوع الى نص في الكتاب والسنة - ان فعلا ما قبيح أو حسن، فهل يصح تصنيفه كواجب أو محرم؟.

جوابهم على ذلك ان الوجوب والتحريم الديني قصر على ما ثبت بالنص. اما ما ثبت بالعقل مستقلا، فربما يترتب عليه حكم عرفي أو أخلاقي. وهذه القاعدة تعالج الاعراف والقوانين الضرورية لحياة المجتمع، بحيث تمنع خرقها بحجة انها بدعة أو الزام من دون مبرر. من ذلك مثلا قوانين المرور والمالية والبناء، وغير ذلك من القوانين التي تخلق الزامات مادية أو معنوية. فهذه جميعا يمكن فرضها تحت تلك القاعدة. ولا يمكن لأحد ان يخرقها بحجة انها خلاف الشرع أو لم يرد فيها نص شرعي.

أما الموضوع الذي نتحدث عنه فيقع ضمن إطار منهجي مختلف. فهو يعالج سؤال: هل التجربة الدينية قصر على ما صنفه فقهاء المسلمين كعبادات أو معاملات في كتب الفقه، ام تشمل ايضا كل عمل يصنفه العقلاء كخير للبشر واسهام في انجاز غايات الدين. وهل القيمة الدينية للفعل مشروطة بنية التقرب إلى الله، أو بجريان الفعل ضمن الدائرة الاجتماعية للمسلمين أو صدوره عن شخص مسلم، ام ان تلك القيمة تتسع لتشمل كل فعل حسن، لأن الحسن والقبح جزء من ذات الفعل، سواء كان مسبوقا بنية التقرب لله ام لا، وسواء صدر عن مسلم ام لا، ضمن الإطار الاجتماعي/المعرفي الاسلامي ام خارجه. نحن اذن نتحدث عن ”قيمة مطلقة“ وليس عن الزام شرعي أو قانوني.

الجزء الأول، أي ما يترتب عليه احكام بكون الفعل واجبا أو حراما، يبدو واضحا وقابلا للتطبيق. لكن الثاني «القيمة المطلقة» يبدو شديد التجريد. فما أهمية ان نعتبر فعلا ما دينيا أو من خارج الدين؟.

هذا سؤال مهم. واضح لديك ان العلاقة الثقافية مع الأمم الاخرى هي احدى ابرز قضايا الجدل في الفكر الاسلامي المعاصر. وتعلم ان كثيرا من المسلمين قبلوا اليوم بعض ”المعارف“ الغربية، بعدما كانوا يرفضونها حتى وقت قريب. وأشير مثلا إلى ”حقوق الانسان“ التي وصمت أولا بانها غربية وأنها تخالف الشريعة، ثم قيل ان لدينا في التراث الاسلامي ما هو أحسن وأكمل، فلماذا نأخذها من الغرب، ثم قيل ان كثيرا منها لا يخالف الشريعة بل ان الاسلام سبق اليها، فيمكن ان نأخذ منها ما يفيد وما لا يتعارض مع الشريعة.. الخ. ومثل ذلك فكرة الدولة المدنية وحكم الشعب، واعتبار الانتخابات العامة وسيلة صحيحة لاكتساب الشرعية السياسية. كذلك الامر في الموقف من القانون الدولي، ومثله الموقف من التنظيمات الاقتصادية الحديثة، فضلا عن الموقف من التيارات الفلسفية والنقدية التي تطورت في الإطار المعرفي الغربي.

الجدل حول هذه الاشياء يشير إلى اشكالية مهمة، تتلخص في تقديرنا لقيمة ما ينتج خارج الإطار الاجتماعي أو المعرفي الاسلامي. لو اعتبرنا التجربة البشرية واحدة، كما ان رسالة السماء واحدة، واعتبرنا ان البشر جميعا شركاء في عمران الكوكب بمثل ما هم شركاء في حمل رسالة الله، عندئذ سوف ننظر للفكرة أو الفعل كموضوع بحث مستقل عن صاحبه أو جنسيته.

اعلم ان المسألة اعقد من هذا. هناك دائما علاقة بين المنطلق الفكري والإطار الثقافي / الاجتماعي وبين المنتج الفكري أو التقني. لكني أحاول ايضاح المسار الرئيس للنقاش. واعتقد ان الانطلاق من وحدانية التجربة / وحدانية العالم سوف يجعلنا اقدر على الاسهام في تطوير التجربة الانسانية، وبالتالي في تحقيق غايات الرسالة الالهية، سواء ظهرت نتائج هذا العمل في بلاد المسلمين ام في بلدان أخرى. فما يهم في حقيقة الامر هو تحقيق غايات الرسالة وليس صفة الفاعل أو موقعه من الكوكب.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
أبو أحمد
[ القطيف العزيزة ]: 10 / 2 / 2016م - 9:41 ص
[حوار جميل للدكتور السيف..

ولا شك أن كل عمل حسن لدى العقلاء هو حسن في نظر الشرع إما بعنوانه الأولي كالصدق، أو بعنوانه الثانوي كحرمة قطع الإشارة المرورية لدخولها تحت عناوين ثانوية كحفظ النظام وحفظ الأرواح..

وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وآله على بعض غير المسلمين لتحليهم بصفات أخلاقية يحبها الله ورسوله كالحكمة والكرم..

فالعقلاء يدركون حُسن بعض الأفعال وقبح بعض الأفعال؛ ولكن ينبغي الالتفات إلى أمور:

- لا بد من التفريق بين الاستحسان، وبين إدراك العقل للحُسن؛ فالاستحسان هو الإدراك الجزئي والحكم اعتماداً على الظن.
أما إدراك الحُسن العقلي؛ فهو الانكشاف الكامل أمام العقل والقطع بالحكم.
2
أبو أحمد
[ القطيف العزيزة ]: 10 / 2 / 2016م - 9:47 ص
استكمال:
- العقلاء قد لا يدركون درجة حُسن بعض الأفعال وقبحها بدليل أن القوانين الوضعية في تغير مستمر على مر التاريخ.

- لا يمكن نسبة الحكم على فعل حسن إلى الدين بالحكم الأولي، وذلك لقصور العقل البشري عن إدراك جميع الجهات الزمانية والمكانية والحالية المحيطة بالفعل بصورة قطعية؛ فتكون النسبة إلى الدين ظنية.
ومن المعلوم أن الظن لا يكفي عند العقلاء لإصدار الأحكام.

- لو فُرض حكم العقل مستقلاً على فعل ما بأنه حسن بدرجة إلزامية؛ فإنه يثبت وجوبه شرعاً حتى لو لم يرد فيه نص كما يقول بعض الفقهاء.
ولكن هذا الفرض نادر الوجود، وذلك لسعة دائرة الأحكام الشرعية بعنوانيها الأولي والثانوي خصوصاً لدى مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

لا بد من التأكيد على أن الدافع وراء الأفعال له قيمة هامة في نظر الشارع المقدس وكذلك لدى العقلاء.
فالعقلاء يذمون من يبني مستشفى لأطفال الفقراء إذا كان دافعه ابتزاز المجتمع وتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية على حسابهم.

فقيمة الأفعال بدوافعها، وليس بحسنها فقط.

والله أعلم..
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.