آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 5:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

«9» أمر الشارع وحكم العرف

الدكتور توفيق السيف *

بالعودة إلى المسألة السابقة، أي الالزام العرفي أو القانوني بناء على احكام العقل. اجد ان الناس يلتزمون بالقانون ولو مضطرين، فما الحاجة إلى تقرير قيمة دينية لأحكام هذا القانون. اليس في هذا تكلفا وتحميلا على الدين بلا ضرورة؟.

سبق وان اشرت إلى اتفاقي مع رأي السادة القائلين بأن الاحكام المبنية على دليل عقلي مستقل، لا ينطبق عليها وصف الواجب والحرام الشرعي. وبالتالي فان القيمة الدينية التي تلقى عليها ليست من النوع المذكور، بل هي أقرب إلى ما يوصف في اصول الفقه بسيرة المتشرعة أو عرف المتشرعة، أي العرف الذي اتفق عليه المؤمنون، فقيمته مرتبطة باتفاق المؤمنين عليه وكونه لازما لحياتهم.

هل هذا التعريف ضروري؟. اقول نعم. وأذكر قصة حصلت أمامي في العام 1984 حين التقيت شخصا يعمل في تهريب العملات الصعبة من ايران، وكان حينئذ ممنوعا بسبب الحرب، وكان قد حدثني كثيرا عن ضرورة التقرب إلى الله بالنوافل والدعاء. فقلت له في سياق الكلام ان عمله في التهريب مضر بالناس، لأنه يضعف اقتصاد البلد وهو ممنوع. فأجابني بكلام مفصل خلاصته ان قوانين الدولة ليست احكاما شرعية، وما لم يرد فيه نص شرعي فهو مباح. وذكر لي عددا من كبار الفقهاء الذين يرون هذا الرأي. في ذلك الوقت لم اكن اعرف هذه المسألة، لكني استطيع اليوم القول ان اضفاء قيمة دينية على المصالح العامة وما يتعلق بحفظها من قوانين وأحكام، بات ضروريا. ليس لجعلها واجبات أو محرمات شرعية، بل لمنع مخالفتها استنادا لعدم ورود الوجوب أو التحريم في نص من الكتاب والسنة. بعبارة اخرى فان القول بالقيمة الدينية لهذه الافعال لا يستهدف اتباعها بالثواب أو العقاب الالهي. ان هدفها الوحيد هو منع خرق الاحكام الخاصة بها، وبالتالي الاضرار بالمصالح المنظورة وراءها، استنادا الى كونها مباحة في الاصل، أي لم يرد فيها الزام شرعي.

المقصود باقرار القيمة اذن هو حماية المصالح العامة التي يشخصها عرف العقلاء، لأن التفريط فيها يؤدي لضرر عام، حتى لو لم يجر تعريفه بدليل من النص.

حسنا، انت تقول بوجوب طاعة احكام القانون حفظا للمصالح العامة، ماذا لو صدر القانون عن جهة فاسدة، مثل حكومة طاغية أو مستبدة أو غير مشروعة. هل يجب طاعته ايضا؟.

هذا سؤال عسير. فجوابه يقع بين حدين كلاهما مشكل: الأول ان قوة القانون مستمدة من استناده إلى الارادة العامة، فلا يصبح هكذا الا اذا صدر عن جهة تمثل هذه الاراداة. الثاني ان القانون ضروري لحفظ المصالح العامة التي لا يسوغ تفويتها من أجل موضوع خارج القانون ذاته أو خارج موضوعه، مثل جهة الاصدار وطريقته. ومن هنا فليس لدي جواب قطعي - في المستوى النظري تحديدا -.

لكني أود الاستشهاد بنقاش مماثل ورد فيه كلام لفقهاء معتبرين، ربما يساعد على تصور ابعاد المسألة. وأبدأ برأي المرحوم الاصفهاني الذي تحدث عن ولاية الامام على الخراج «المال العام بالتعبير الدارج الآن»، فقد قرر بعد نقاش طويل ان الامام هو الولي الاصيل عليها عند حضوره وبسط يده وتمكنه من صرفه في مصالح المسلمين ”ومع عدم التمكن من التصرف على الوجه المزبور يرجع الامر إلى من يقوم بهذا الامر، وان كان متغلبا لان فوات مصلحة قيامه - أي الامام العادل - بالامر، لا يسوغ تفويت مصالح المسلمين“. وقريبا من هذا رأي المرحوم كاشف الغطاء في قيادة الجهاد الدفاعي. فهو يقرر ان ولايته للأمام ثم الفقيه الجامع لشرائط الولاية، فان لم يوجد أو لم يتصد للمهمة أو عجز عنها ”وجب على كل بصير صاحب تدبير، عارف بطريقة السياسة عارف بدقائق الرياسة، صاحب رأي وادراك وفهم وثبات وجزم وحزم، ان يقوم باحمالها ويتكلف بحمل اثقالها وجوبا كفائيا … وتجب على الناس اعانته ومساعدته ان احتاجهم. ومن خالفه فقد خالف سيد الأنام، وخالف الملك العلام“.

الرأيان السابقان، نموذج عن ميل ظاهر عند شريحة واسعة من الفقهاء، فحواه التمييز بين منصب الحاكم وبين شاغله. فكل امر يخدم المصلحة العامة، مطاع اذا صدر عن الحاكم ولو كان شخصه غير مقبول أو كانت شرعية حكمه مجروحة. وهذا ترتيب براغماتي يستند لحساب الارباح والخسائر على المستوى العام. وبهذا فهو لا يجيب على الاشكالات النظرية الخاصة بالقانون الصادر عن جهة شرعيتها مجروحة. لكنه يقرر التعامل مع الامر موضوعيا، فما خدم المصلحة العامة، لحقته احكام القانون العادل.

هذا يشبه إلى حد بعيد المثال الآتي: لو أصدرت حكومة غير مشروعة قانونا مستندا تماما إلى أدلة شرعية، فهل يجب طاعة القانون لأنه مؤسس على دليل صحيح، ام لا تجب لأنه صادر عن جهة شرعيتها مجروحة؟.

سيرة الفقهاء، من كل المذاهب الاسلامية، في قديم الزمان وحاضره توضح انهم يوجبون طاعة القانون الصادر عن الحاكم المتغلب، أي الحاكم الذي لم يصل للسلطة ببيعة شرعية صحيحة. صونا للمصالح العامة ودرء للفتنة. واستشهد هنا بمقولة للامام الغزالي في طاعة المتغلب: ”لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة، وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته..... نحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة“.

هل هناك مشكلة في ادراج مثل هذه الاحكام ضمن الشريعة، أي اعتبارها واجبات ومحرمات تستتبع ثوابا أو عقابا أخرويا؟.

اشعر ان بعض الفقهاء يتحرج من تضخم منظومة الاحكام الشرعية، خارج إطار ما يصنف تحت عنواني العبادات والاحكام المنصوصة. الحقيقة اني لم اطلع على تصريح بهذا الحرج. لكن قراءة متأنية لبحوث الفقه الاستدلالي توضح انه كامن وراء العديد من حالات التوقف في الحكم، سواء تلك التي يترتب عليها سكوت الفقيه عن ابداء رأي، أو ضمها إلى ما يعرف بالاحتياطات، أو تعبيره عنها بمصطلحات تفيد عدم القطع مثل ”الاقوى“ و”الاظهر“.

وهنا أعود مرة أخرى إلى رأي السيد صدر الدين الرضوي القمي الذي ورد نصه في جواب سابق. وخلاصته التمييز بين الحكم المستند إلى دليل نصي وذاك المستند إلى حكم العقل أو عرف العقلاء. اشير ايضا إلى تصنيف الفقيه الشافعي ابي الحسن الماوردي لمراتب الحق، والذي ميز فيه بين حق الله على العباد وحقوق بعضهم على بعض. الرابط بين هذا الرأي ورأي القمي هو اعتبار الفارق بين طرفي المعادلة، فحقوق الخالق على العباد فيها طرف أعلى فرض مراده على عباده، لكنه أجل الحساب عليه إلى الآخرة. اما في حقوق الناس على بعضهم فطرفا المعادلة متساويان، وما يترتب على هذه العلاقة مطلوب في الحياة الدنيا.

تندرج اكثر الاحكام المتعلقة بحقوق الله على المكلفين، ضمن الدائرة المنهجية التي يطلق عليها في الفقه اسم ”العبادات“. واحكامها في الغالب منصوصة وموجهة للافراد على وجه التعيين. اما حقوق الناس على بعضهم، فيندرج غالبها تحت دائرة ”المعاملات“. وفي هذا الصنف فان المصلحة الظاهرة العقلائية مبرر قوي لاثبات الحكم أو رفعه. ونعرف ان تشخيص المصالح وتحديد مصاديقها، أمر راجع للعرف وأهل الخبرة بالموضوع. ولانها على هذا النحو فهي متفاوتة بين ظرف وآخر، مما يستدعي اختلاف الاحكام المتعلقة بها.

هذا قد يكون سببا وجيها لجعل الاحكام الخاصة بهذه الموضوعات مؤقتة او ظرفية، بمعنى أنها تستمد قيمتها والزاميتها من العرف العام الذي اعتبرها أداة لحماية المصالح العقلائية لأفراده. ولهذا السبب أيضا، فثمة فسحة كي تختلف الأحكام المتعلقة بموضوع واحد بين بلد وآخر، أو بين زمن وآخر بحسب اجتهاد اهله.

للمناسبة ثمة اتفاق بين المسلمين على التمييز بين الاحكام التي طبيعتها ثابتة، وتلك التي تصدر بناء على تقدير الحاكم، وهي تسمى في فقه الشيعة بالاحكام الولائية وفي الفقه السني بالسياسة الشرعية، وهما عنوانان لمعنى واحد. في كلا الحالين يجوز للحكومة فرض أحكام أو الزامات بناء على مصلحة عقلائية تراها. لكن دائرة اشتغال هذه الاحكام محصورة ضمن حدود بلدها الخاص وليست عامة لجميع المكلفين.

اردت من وراء هذا الاستطراد بيان ان الميل العام يتقبل فكرة التمييز بين حكم منصوص، ثابت على الدوام، وحكم عرفي له قيمة شرعية، لكنه دنيوي من حيث إطار الاشتغال واغراضه ومايترتب عليه من ثواب أو عقاب.

 

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.