آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 4:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

«10» الاجتهاد وتجديد الاحكام

الدكتور توفيق السيف *

فيما يخص الاجتهاد وتجديد الشريعة. يشكو الناس احيانا من التفاوت في حقوق الانسان المقررة في الفقه الإسلامي، وتلك التي أقرتها المواثيق الدولية الحديثة. منها مثلاً تفاوت الحقوق بين المرأة والرجل أو بين المسلم وغير المسلم. هذا يثير في ذهني سؤالا حول الموقف غير الودي تجاه الليبرالية بين الدعاة والكتاب الاسلاميين. هل نستطيع القول ان الفكر الليبرالي ارتقى بحقوق الانسان إلى مستوى يتعارض مع التعاليم الإسلامية؟.

سوف اجيبك على الشق الأخير، أي الموقف من الليبرالية في وقت لاحق. لكن دعنا نبدأ بالنقطة الأولى، أي استجابة الاحكام الشرعية لحاجات وتحديات العصر. هذه في الحقيقة تفرض سؤالا مهما لا يحبه الدعاة التقليديون، فحواه: هل يجب ان نعدل احكام الشريعة كي تطابق متطلبات العصر، ام نخضع هذه المتطلبات لأحكام الشريعة التي نعرفها سلفا؟.

هنا تأتي أهمية علم الكلام. الأحكام الفقهية، سواء تلك التي قال بها فقهاء معاصرون أو نقلوها عن أسلافهم، بل حتى تلك التي ورد فيها نص. غالب هذه الاحكام - سيما غير العبادية - تنظيمية، فهي اقرب إلى معنى القانون الذي يستهدف تنظيم الحياة الجمعية وتداول المصالح بين الناس. السؤال الان: هل هذا القانون أو ذاك نهائي، عابر للزمان والمكان، أم أنه مشروط بموضوعه والمصالح التي استهدف تحقيقها؟. في هذا الجانب تحديدا فاننا نتحدث عن تأثر القانون بظروف الزمان والمكان وحاجات الناس المتغيرة.

لو ذهبنا لعلم الكلام، ووضعنا فلسفة للنظام الإجتماعي تقول على سبيل المثال بأن للمسلمين في كل زمان من أزمانهم، الحق في إعادة النظر في القوانين التي تحكم نظامهم الإجتماعي. حينئذ سيضع المسلمون المعاصرون منظومات احكام تستجيب - من ناحية - للتحديات والاسئلة والحاجات الجديدة، وتستجيب - من ناحية اخرى - لمتطلبات الايمان. بعبارة اخرى فهم سيضعون القانون الذي يتناسب مع شعورهم بالانتماء إلى هذا الدين. وبالتالي سيكون القانون إسلامياً، بمعنى انتمائه للجماعة المسلمة، وبمعنى تلاؤمه مع الشعور الديني عند واضعيه.

نحن هنا نتحدث عن الجماعة المسلمة، التي تشمل ايضا فقهاء الجماعة وأهل الاختصاص فيها في مختلف الازمنة والبلدان. اما الاساس الذي نبني عليه هذا القول فهو الحقيقة المعروفة للجميع، وهي ان الأحكام الفقهية - بما فيها تلك التي تحظى بالاجماع بين الفقهاء - ليست عابرة للزمان والمكان، بل قد تختلف من فقيه إلى آخر في نفس البلد والزمن، فضلا عن اختلافها بين زمن وآخر أو بين بلد وآخر. وسأعرض بعض الامثلة لتوضيح الفكرة:

المثال الأول: اتفق فقهاء المسلمين بمختلف مذاهبهم، على أن المرأة لا تتولى المناصب السيادية أو ما يسمونه بالولايات، مثل منصب القاضي ورئيس الدولة والوزير. لانها - في رايهم - غير مؤهلة تكوينيا للوفاء بحاجات هذه المناصب. ولما يقولون انه روايات وردت في هذا المعنى. وهذه نظرية قال بها أولا قدامى الفلاسفة اليونانيين، ثم دخلت في الفكر الاسلامي وتحولت إلى احكام فقهية.

نعلم الان ان كثيرا من الفقهاء تخلى عن هذا الرأي، رغم ما يحفه من اجماع على امتداد التاريخ الماضي، ورغم النصوص الكثيرة التي اختيرت لتبريره. من هذا نفهم أن ”الأنظمة“ التي تصنع في الإطار الفقهي وتصبح أحكاما، هي قضايا تتفاعل في صياغتها مع حاجات الناس وأوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والثقافية في كل زمان.

المثال الثاني: اتفق علماء المسلمين الماضين والمعاصرين على ان ”الفائدة المشروطة“ هي التي تضفي على التعامل المالي صفة الربا المحرم. لكننا نعلم ان شيخ الازهر السابق، محمد سيد طنطاوي والشيخ محمد مهدي شمس الدين الرئيس السابق للمجلس الشيعي الاعلى في لبنان، وعدد اخر من الفقهاء، يطرحون قراءة مختلفة. طنطاوي مثلا يميز بين الفوائد المترتبة على القروض الاستهلاكية والاستثمارية، كما يميز بين الوادائع العادية وتلك التي تستهدف زيادة العمران. المرحوم شمس الدين يدعو إلى فهم حرمة أو اباحة الفائدة ضمن منظور أوسع، يتناول الحركة الاجمالية لراس المال في هذا الزمن مقارنا بزمن النص، أي الدور النسبي لكل من راس المال والعمل في توليد فائض القيمة. بعبارة اخرى فهو لا يرى ان الفائدة المشروطة بمفردها علة للربا المحرم. وان التحريم في زمن النص لا يؤخذ منفصلا عن السياق العام للنظام الاقتصادي ودورة راس المال في تلك الحقبة، وهي بالطبع مختلفة عن الحال القائم في زمننا.

مثال اخر يتعلق بالدية. فقد اتفق فقهاء المسلمين قديما وحديثا، على ان دية المرأة والكافر، تعادل نصف دية المسلم في القتل الخطأ. في ايران افتى بعض عدد من الفقهاء بتساوي الدية، وتحول هذا الرأي إلى قانون بعد اقراره في مجلس الشورى

هذه الامثلة وكثير غيرها، تشير إلى ان تغيير الاحكام الفقهية أو تعديلها ليس امرا غريبا. ما نشعر به احيانا من جمود في الفقه، هو ثمرة لضعف التفاعل بين الفقيه وبين الحياة الواقعية للناس، ولو تفاعل بدرجة أكبر فسوف نحصل على كثير من الأحكام الجديدة المباينة لما عرفناه في الماضي.

نعلم ان السؤال هو المحرك الوحيد تقريبا للمدرسة الفقهية الكلاسيكية. الناس يتوجهون إلى الفقيه بسؤال جديد فيعيد النظر في ارائه أو آراء غيره السابقة. ونعلم ايضا ان السؤال لا يتولد في الفراغ، بل هو ثمرة للحاجات المستجدة. بعبارة أخرى فان تحولات المجتمع وما تأتي به من اسئلة وحاجات جديدة، هي الدافع الرئيس وراء الفتاوى الجديدة.

غاية الامر اننا ندعو إلى ”نظر جديد“. ندعو الفقيه إلى: أ» فهم موضوع السؤال وموقعه من مجمل حركة الحياة. ب» فهم الموضوع كما هو في الواقع الخارجي، وليس استيراد المعاني من التراث، سيما عند تشابه الاسماء. بعض القضايا تحافظ على اسمائها عبر الزمن لكن موضوعها أو موقعها في السياق الاجتماعي يتغير جذريا. ج» البحث عن تكييف فقهي للموضوع واحكامه يتناسب مع حاجات المسلم المعاصر، وليس البحث عن إجابات في كتب السابقين. زبدة القول ان التفاعل النشط، أي تبادل التاثير والتاثر بين الفقيه والناس والبيئة المحيطة، حري بان يفتح طريقا أوسع لتجديد الاحكام الشرعية.

أقول هذا الكلام مع الأخذ بعين الاعتبار المنهج التقليدي في الاستنباط والاجتهاد. لكن لو أردنا الذهاب الى مدى أبعد، فاني ادعو الى منهج جديد، خلاصته ان لا يكون الحكم الفقهي معلقا بالسؤال ومنتظرا له. أرى ان على الفقيه ان يبدأ بدراسة ما جرى التعارف عليه بالمقاصد الشرعية، أي الأهداف العامة التي تريد الشريعة بلوغها، وانطلاقا من تحديد تلك المقاصد ومعانيها وتطبيقاتها، يجري تقرير الاعمال التي توصل اليها، ثم وضع الأحكام المناسبة لتلك الأعمال.

 

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.