آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 4:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

«11» المساواة كركن للعدالة

الدكتور توفيق السيف *

ماذا عن المثال الذي ذكرته في السؤال السابق، أي تفاوت الحقوق بين المسلم وغير المسلم، وبين المرأة والرجل. الا ترى في ذلك خلافا للعدالة المفترض كونها من اسس التشريع الديني؟.

نعم. ارى ان أي تمييز، من أي نوع، خرق لأصل العدالة. وأرى ان العدالة قيمة حاكمة على التشريع وليست محكومة به. أي تشريع ينقض العدالة أو يتعارض معها فلا يمكن ان يكون من الدين.

يؤسفني القول ان الاسلاميين المعاصرين لم يهتموا كثيرا بتطوير نظرية حول العدالة، في معناها النظري المجرد أو في معنى ”العدالة الاجتماعية“ الشائع اليوم. وجدت ان كثيرا من التطبيقات التي يقدمونها كأمثلة عن العدالة، تقوم على تبريرات تتعارض في أرضيتها الفلسفية مع قيم اسلامية أخرى. أذكر على سبيل المثال ان حكومة مير حسين موسوي، رئيس وزراء ايران في الفترة من 1981 إلى 1989 اتبعت سياسة تخطيط مركزي شديدة، هي اقرب للنموذج الاشتراكي. وقد عارض العديد من الفقهاء تلك السياسات، بناء على مخالفتها لقواعد فقهية راسخة مثل القواعد التي تحمي الملكية الفردية وحرية تصرف المالك. لكن فقهاء آخرين دعموها بناء على انها ضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية.

لعل هؤلاء كانوا على صواب أو ربما كان معارضوهم على صواب. ما يهمنا في المسالة هو ان كلا الرأيين لم يجر تنظيره وتأسيسه على ارضية فقهية متينة. واظن ان سبب هذا التقصير يرجع إلى الهوة الواسعة التي تفصل الفقهاء عن قضايا الاقتصاد والسياسة المعاصرة. بعبارة موجزة فان الفقهاء لم يكونوا قادرين على استيعاب عمل الدولة، لا سيما في المستوى العريض «الماكرو»، ولذلك فلم يكونوا قادرين على تقديم بدائل عما يعترضون عليه. كما ان الفقهاء الذين قبلوا بالسياسات الحكومية اعتمدوا على رأي الاقتصاديين، ولم يكونوا قادرين على مجادلة مبرراتهم، أو العمل معهم للتوصل إلى نظرية أو استراتيجية عمل تستجيب لحاجات البلد من ناحية ومتطلبات الشريعة من ناحية أخرى.

وللمناسبة فقد أشار كثير من قادة الحكومة الايرانية إلى هذه المفارقات، وقد نقلت رأي الرئيس الاسبق هاشمي رفسنجاني وآخرين في هذا الصدد في كتابي ”حدود الديمقراطية الدينية“، وهي تطابق ما ورد أعلاه.

فيما يخص مسألة التمييز بين الناس، يهمني الاشارة إلى عنصرين اراهما ضروريين لفهم المسألة:

العنصر الأول اننا نقبل الفارق الطبيعي بين الناس وما يترتب عليه من أحكام، ولا نقبل الفارق التشريعي البحت، أي غير المرتبط بالطبيعي.

العنصر الثاني: اننا لا نتحدث عن المساواة والتمييز في الفراغ، بل نلاحظ دائما خلفية الموضوع، أي الإطار الموضوعي الذي نتحدث فيه.

فيما يخص العنصر الأول. نعلم مثلا ان للمرأة والرجل احكام شرعية مختلفة، ترجع الى اختلافهما في الجنس. ونحن نتقبل هذه الاحكام. لكننا لا نرى وجها لحرمان المرأة من وظائف معينة أو تخصصات علمية معينة أو من حق التملك والانتقال والمشاركة في الشأن العام، لأن هذه لا علاقة لها بالتمايز الطبيعي. وما قاله الرافضون لهذه الحقوق من كون المرأة اقل عقلا أو كفاءة أو قابلية للعمل، لا يصلح اساسا لقانون عام. لان لدينا الكثير من الأمثلة المعاكسة، التي لا تسمح كثرتها باعتبار الدعوى السابقة معيارا.

فيما يخص العنصر الثاني فان المثال البارز عليه هو حقوق المواطنين غير المسلمين في البلدان الاسلامية، والتي قال جميع الفقهاء بأنها دون حقوق نظرائهم المسلمين. في اعتقادي ان هذه الآراء ليست تشريعات ثابتة، وهي ترجع إلى عهد الدولة الاسلامية القديمة. اما في الوقت الحاضر فنحن نعيش ظرفا سياسيا وقانونيا مختلفا تماما. العلاقة بين سكان الدولة الحديثة التي ارتضاها المسلمون المعاصرون، قائمة على مبدأ ”المواطنة“ التي تعني تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن اديانهم ومذاهبهم. طالما قبلنا بأصل النظام الجديد، فان علينا مراجعة الاحكام التي وضعت لظرف سابق أو لاعتبارات لم تعد قائمة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 12 / 2 / 2016م - 1:08 ص
كلام الليل يمحوه النهار ..
العدالة لا تعني المساواة ولا يوجد مساواة في الوجود حتى صلابة الحجر تتفاوت ..!!؟
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.