آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 3:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

«12» تاثير الفلسفة اليونانية على التفكير الفقهي

الدكتور توفيق السيف *

واقع الامر ان فقهاء كثيرين لازالوا غير مقتنعين بمبدأ المساواة الذي تذكره. ولهذا مثلا رفض مجلس صيانة الدستور في ايران، تسجيل النساء على قوائم الترشيح لانتخابات رئاسة الجمهورية في 1997 واصدر فتوى دستورية تقول بان الرئاسة منصب للرجال دون النساء. وفي الكويت كان بعض رجال الدين والحركيين من تيار الاخوان المسلمين والتيار السلفي، يرفضون ترشيح المرأة لعضوية البرلمان، بحجة ان النيابة من مناصب الولايات التي لا تتولاها النساء.

حق المرأة في تولي المناصب العامة ذات الطبيعة السيادية، مثال بارز على الحاجة لتجديد المفاهيم والاحكام. اعلم ان اغلبية الفقهاء من معظم المذاهب يشعرون بحرج شديد ازاء المسألة. فهم من جهة يرون انفسهم مضطرين للالتزام بتراث عريق، يميل إلى استبعاد المرأة من الحياة العامة. وهم من جهة أخرى يرون مبررات ذلك التراث تتهاوى. فالقول بالتفاوت الطبيعي بين الرجل والمرأة يبدو اليوم أقل اقناعا، بعدما برهنت المرأة في بلاد العالم عن كفاءة في العمل، لا تختلف عن كفاءة الرجل. والقول بأفضلية ادوار معينة - تربية الاطفال ورعاية المنزل مثلا - لا يبرر في رأي عامة الناس منعها من القيام بأدوار أخرى اذا كانت مؤهلة لها.

لكني أجد ما يدعوني للتفاؤل. ثمة ضغط في معظم المجتمعات المسلمة بهدف اصلاح القوانين والاعراف، بما يؤدي لانصاف النساء، وهناك من جهة ثانية فقهاء يدعون إلى مراجعة الاحكام القديمة واستبدالها. هذه التحولات بطيئة لكنها تنتج مفاعيل طيبة. في ايران مثلا تولى العديد من النساء مناصب رفيعة، من بينها منصب مساعد رئيس الجمهورية وعضو الهيئة الوزارية، ومن بينها رئاسة عدد من الشركات الكبرى، فضلا عن عضوية البرلمان والحكومات المحلية. وفي الكويت اقر حق النساء في عضوية البرلمان والوزارة، ونجح بعض السيدات بالفعل في الوصول إلى المنصبين. وفي السعودية، وهي من اكثر المجتمعات تشددا في هذه القضية، عين الملك عبد الله 30 سيدة عضوا في مجلس الشورى، كما عينت السيدة نورة الفايز نائبة لوزير التربية لبضع سنوات.

وفي تونس والسودان والعراق تبنت احزاب اسلامية حق المرأة في المشاركة السياسية في مختلف المستويات. فهذه الامثلة تدل على ان التنظير القديم يتهاوى في الواقع. ومن البديهي ان يستتبعه اعادة تنظير تجعل التحول الواقعي، تحولا في النظرية ايضا.

اشرت في جواب السؤال الاسبق إلى تأثير فلسفي يوناني على موقف الفقهاء المسلمين من حقوق المرأة، اين يظهر هذا التأثير تحديدا؟.

اظن ان المحدثين والفقهاء في المرحلة التأسيسية للفقه الاسلامي تأثروا بالثقافة العامة السائدة، التي تميل إلى قصر المشاركة في الحياة العامة على الذكور. ولهذا قدموا نصوصا توحي بهذا الاتجاه، وتجاهلوا نصوصا أخرى تدل على المساواة. في تلك الفترة كان هذا اتجاها عاما، عند المسلمين وغيرهم. في مراحل لاحقة، احتاج الفقهاء إلى تبرير ارائهم من خارج الدين، فاتخذوا منهجا دفاعيا أو تبريريا. وذهب بعضهم مذهب الفيلسوف اليوناني ارسطو الذي رأى ان جوهر العدالة يكمن في معاملة المتساوين بالسوية، والتمييز بين غير المتساوين.

 قامت نظرية ارسطو على فرضيات سابقة حول التمايز بين الناس، كانت متعارفة ومقبولة في زمنه، وقد اضاف اليها ومنحها مبررات فلسفية واجتماعية. من ذلك مثلا ان نظام المدينة اليونانية كان يميز سكان اثينا على غيرهم، ويميز الرجال على النساء، والاحرار على العبيد، والجنود على الزراع والحرفيين، واهل الملكات الفكرية كالفلاسفة والاطباء على بقية العاملين، ورجال السياسة على سائر الناس.

هذا التمييز لا يخلو من مبررات رآها اصحابها معقولة. ومن بينها مثلا القوال بان الاصل في البشر هو التفاوت لا التساوي لاسباب ذاتية أو عضوية. أو القول بان ظروف الحياة تمنح بعض الناس مراتب اعلى من البعض الآخر. منع ارسطو المرأة من المشاركة في السياسة والامور العامة، لانه رآها عاجزة عضويا عن التفكير السليم في الامور العامة. وكذلك الامر بالنسبة لابناء المهاجرين إلى اثينا، لانهم لم يتشربوا روح المدينة وقانونها، ومثلهم اصحاب الحرف اليدوية الصغيرة، لان عقولهم غير نشطة.. الخ.

بغض النظر عن الأمثلة التي أوردتها عن رؤية أرسطو، يبدو لي ان ”معاملة المتساوين بالسوية“ تقدم أساسا معقولا لتحويل مفهوم العدالة المجرد الى سياسة او اجراءات قابلة للتطبيق في الواقع.

هذا صحيح من حيث المبدأ. الحقيقة ان جميع النظريات الرائجة حول المساواة اليوم تأخذ بعين الاعتبار هذا المبدأ. لكنها - مع ذلك - لا تقبل بنظرية ارسطو التي ينقلها عن أستاذه افلاطون، لسبب وجيه، خلاصته انها استعملت فعليا كجزء من نظرية أوسع تسمح بتمييز غير مبرر بين الناس، وأنها قامت على أرضية القبول بالتفاوت الطبيعي بين البشر، اي كونهم يولدون متفاوتين وليسوا متساوين. زيادة على ارتباطها بتجربة فعلية في أثينا، كما يتجلى في الأمثلة التي عرضتها في الجواب السابق.

من ناحية أخرى فان تحديد الخط الفاصل بين المساواة كقيمة عليا، وبين المساواة النسبية، اي معاملة المتساوين بالسوية، يمثل مورد الجدل الرئيس في نظريات العدالة الحديثة. من المفهوم ان العدالة تقضي في أحيان محددة بعدم المساواة. فمثلا نحن نفرض على المرضى والمعاقين اجراءات والتزامات عملية، اقل من تلك المفروضة على الأصحاء مقابل نفس الاجور. كما نفرض نسبة أعلى من الضرائب على الاثرياء مقارنة بالفقراء.

زبدة القول ان القضية اشكالية وتثير جدلا كثيرا. لكن الاتجاه العام في الفلسفة الحديثة يوجب اولا اقرار المبدأ الاعلى، اي اعتبار الناس جميعا متساوين معنويا وقيميا، ثم توضيح وتحديد الاستثناءات ومقدارها ومبرراتها. ان اي استثناء يجب ان لا يكون ناقضا للمبدأ الاعلى، لأن الغرض منه هو معالجة الحالات التي لا تسمح بحصول فرد معين او شريحة اجتماعية معينة على نفس القدر من الحقوق التي يحصل عليها الاخرون. غرضها اذن ضمان حصول الجميع على اقرب النسب الى المتوسط العام من الحقوق والفرص المتا حة في المجال العام. المقصود الاساس من الاستثناء هو تأكيد المبدأ الأعلى، وليس تبرير التفاضل او التمايز بين الناس.

 

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.