آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 4:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

«13» هل لدينا مفهوم اسلامي للعدالة

الدكتور توفيق السيف *

يراودني دائما سؤال: هل للشريعة الاسلامية مفهوم خاص للعدالة، ام انها تسعى لتطبيق العدالة في مفهومها المجرد. بعبارة اخرى: هل سنصل إلى العدالة لو طبقنا احكام الشرع كما نعرفها؟.

ثمة اتجاه واسع بين الفلاسفة والمفكرين، فحواه ان تحقيق العدالة في الواقع، يتوقف على تقييدها بظرف التطبيق ومتطلباته وأولوياته.

كان الفيلسوف الانجليزي ديفيد ميلر بين الذين دعوا للتركيز على المفهومات المحلية للعدالة الاجتماعية. وهو يقول في هذا الصدد ان "كل بنية اجتماعية تولد نمطا متميزا من العلاقات البينية، تؤسس بدورها لطريقة خاصة في مفاضلة وتقييم الاشخاص، وتقرير الكيفية التي على اساسها يجري توزيع المنافع بين عناصر المجتمع. اقام ميلر هذه الرؤية على ارضية تفاوت المجتمعات من حيث تطور المعرفة ومصادر ومستويات الانتاج. هناك ايضا اتجاه يتبنى تعددية القيم value pluralism وفحواه انه مع الاقرار بان قيمة عليا - كالعدالة مثلا - ثابتة في كل الازمنة والاماكن، الا انه يمكن ايضا الاقرار بوجود صور وتطبيقات متعددة لهذه القيمة، قد ترجح خيارا في بلد أو ظرف معين، بينما ترجح غيره في بلد آخر أو ظرف آخر. وهذه رؤية بديلة عن الرأي القائل بنسبية القيم.

خلاصة هذا الفكرة ان لكل نظام اجتماعي أولويات، هي - بحسب حاجاته الفعلية - أكثر انسجاما مع مقتضيات العدالة في تعريفها الواسع. هذا يعني اننا غير مضطرين لاستعمال مفهوم واحد للعدالة، وتطبيقه كالمسطرة على مختلف الظروف. اتخذ بعض الاسلاميين هذه الرؤية أساسا للقول بأن التطبيق الاسلامي لمبدأ العدالة، ينبغي ان يخضع ايضا للتنظيم الخاص للمجتمع الاسلامي.

اهم الاشكالات التي ترد على هذه الفكرة، هو انها تنقض المقولة المتفق عليها بكون العدالة من القيم المستقلة، وانها جزء من جوهر الانسانية. اذا قبلنا بهذا الرأي فكاننا نصنف العدالة كقيمة مجتمعية، يتحدد مفهومها ومعناها وتطبيقها تبعا لثقافة المجتمع وما توافق عليه من نظم وأعراف. بعبارة اخرى فان المضمون النهائي لهذا الفهم يقرر ان العدالة ليست من القيم المطلقة الموضوعية، بل هي قيمة نسبية، وأنها ليست مصدرا لقواعد العمل، بل فرع عنها. ولهذا السبب أشعر بالقلق من ان قبول فكرة ”العدالة المحلية“ اذا صح الوصف، سيقود إلى نقض قيمة العدالة والغايات المرجوة منها، وتحويل مفهومها إلى تبرير الظلم الذي أراده أقوياء البشر، بدلا من صون المساواة بين الاقوياء والضعفاء.

يبدو التبرير قابلا للتفهم، كما ان قلقك مفهوم أيضا. لكن مجرد ابداء القلق لا يقدم مخرجا.

صحيح. كثير من القلقين من التصوير السابق يعملون على تطوير نظريات بديلة، تركز على وضع معايير تستجيب لمقتضيات العدالة العليا من جهة، وهي قادرة على التعامل مع التطبيقات المحلية من جهة أخرى. هذه الاضافة مهمة لانها تمنع الاتكال على التبرير القائل بالمفهوم المحلي للعدالة واختلاف الأولويات والظروف، كمعيار قائم بذاته لقياس مستويات العدالة القابلة للتطبيق.

اني اتبنى في هذا الصدد رؤية الفيلسوف المعاصر جون راولز، التي عرضها في كتابه المرجعي ”العدالة كانصاف“، وقد كتبت عنها في أكثر من مكان. وخلاصة هذا الرأي ان العدالة مفهوم مركب من قيم متعددة، يجب تطبيق كل منها بصورة ملائمة. كما ان تبنيها يولد حقوقا للأفراد على المجتمع والدولة، تتمثل في مساعدة الأقل حظا منهم، لتمكينه من التمتع بالفرص والامكانات المتاحة في المجال العام.

الحريات المدنية هي أبرز القيم التي اعتبرها راولز جزء من مفهوم العدالة. وهي تشمل حقوقا خاصة بالضمير مثل حرية الديانة والتفكير والتعبير والتنظيم، وحقوقا ضرورية لصون الكرامة الشخصية، مثل حرية الحركة والعمل واختيار المهنة والملكية الشخصية، وحقوقا مرتبطة بالمشاركة في الشان العام. وهو يرى هذه الحريات أساسية ومعيارا لحدود سلطة المجتمع، لأنها ضرورة لتبلور هوية الإنسان المستقل، الكفء، القابل لتحمل المسؤولية عن عمله، والمشارك في الحياة العامة. ولهذا السبب ايضا فانه لا يجوز للمجتمع التفريط في تلك الحقوق والحريات من أجل السعادة العامة أو زيادة الثروة الوطنية أو مساعدة الفرد على بلوغ الكمال الذاتي، أو غير ذلك من المنافع.

لماذا تركز على الحريات الفردية في النقاش حول العدالة؟

الواقع ان نظرية راولز في العدالة تتسع لما هو أكثر من الحريات الفردية. لكنه ركز عليها - وانا معه في ذلك - لسبب اراه وجيها، وخلاصته ان التطبيقات المعاصرة لمبدأ العدالة الاجتماعية، ينصرف غالبا إلى اقرار المساواة في المنافع الاقتصادية. وهذا من تأثيرات المذهب الاشتراكي، الذي قرر ان الاستغلال في معناه المادي هو النقيض الطبيعي للعدالة الاجتماعية، وان علاجه يتطلب هيمنة الدولة على مصادر الانتاج والدورة الاقتصادية بشكل عام. رأينا في التجربة الاشتراكية ان هذا المبدأ قاد إلى توفير الحاجات الأساسية لعامة الناس، مثل العمل والسكن والصحة والتعليم. لكنه بموازاة ذلك اختصر الحريات الفردية والمدنية إلى هامش ضيق، بحيث تحول الانسان الى ما يشبه البرغي في ماكنة ضخمة اسمها المجتمع.

والامر نفسه يقال عن البلدان التي طبقت نموذج السوق الحرة في أعلى تمثيلاتها. فالاقتصاد الحر جاء بالرفاهية والازدهار. لكن الافراد الذين لم يتمكنوا من مجاراة الحركة السريعة للسوق، جرى سحقهم والقاؤهم إلى هامش الحياة. السوق الحرة فعالة في تعظيم الثروة، لكنها متوحشة حين يتعلق الأمر بالشرائح الضعيفة من الناس.

من هنا فأننا نعيد تعريف مفهوم الحرية والعدالة ونصرفهما إلى صور تطبيقية، تولد واجبات وحقوق متبادلة بين الافراد والجماعة والدولة، قابلة للحساب والنقد والاختبار، استنادا إلى معايير غير محلية، لكنها أيضا غير متعالية او مبالغة في التجريد.

 

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.