آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 5:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

«14» الدين وحاجات المسلم المعاصر

الدكتور توفيق السيف *

هل الأساليب المستمدة من الدين كافية لتسيير المجتمع المعاصر والدوله الحديثة؟

هذا يعتمد على تعريف الدين الذي تعنيه. اذا كنت تعني ”الرسالة العملية“ أي مجموعة الفتاوى التي يوجهها الفقيه لمقلديه، أو كنت تقصد الكتب المدرسية، فهي بالتاكيد لا تكفي لتسيير قرية فضلاً عن دولة.

لكن إذا تحدثنا عن الدين في المعنى الواسع، فالجواب مختلف. اقصد بالدين الذي يسير الحياة عنصرين متفاعلين:

ا» القيم العليا التي قررها أو اقرها النص الديني.

ب» الاجتهادات التي يقوم بها المسلمون كرد على الاسئلة والمشكلات والتحديات التي تواجه حياتهم.

التحديات التي نواجهها كبشر هي نتاج عملنا. وهي لهذا السبب ليست فوق قدرتنا على الاستجابة وتقديم الحلول. ما يميز المجتمع المؤمن عن غيره، ليس استجابته للتحديات، بل مضمون وفاعلية تلك الاستجابة.

انا من القائلين بعدم وجود ارتباط ضروري أو سببي بين الدين والحضارة. يمكن للبشر ان يديروا انفسهم ويقيموا حضارتهم مع الدين أو بدونه. الفارق الذي يصنعه الدين هو ان الحضارة المتوافقة مع الايمان ستكون اكثر انسانية واقل كلفة.

من نفس المنطلق اقول ان عودة الاسلام إلى الحياة مرهون بتحرر الانسان المسلم من حالة الانفعال والاستهلاك إلى حالة الفعل والانتاج. هذا لا يحتاج إلى المزيد من الالتزام بالاحكام الفقهية أو استذكار التاريخ كما يفعل بعضنا اليوم، بل يحتاج إلى تعزيز دور العقل النقدي، وتعزيز قيمة الفرد، وتعظيم قيمة العلوم واصحابها، والخروج من سجن التاريخ وجدالاته العقيمة، والتخلي عن حالة الخوف من العالم وتعزيز الثقة بالذات والمستقبل.

لدي ايمان راسخ بان الجيل الجديد من المسلمين يتمتع بالقدرة على ابداع الحلول لكثير من مشكلاتنا الموروثة والجديدة. ونحتاج إلى تمكين هذا الجيل من الامساك بازمة الامور، أي تحريره من القيود الذهنية والروحية التي وقعنا فيها واعتدنا عليها.

يبدو لي ان عالم اليوم اكثر تعقيدا من ان تستوعبه شريعة قديمة، وهو أيضا عالم سريع التغير والتحول على نحو يتعسر حشره في إطارات محددة مهما اتسعت.

لا أوافق على هذا التقدير. افهم ان التغيير هو الثابت الوحيد كما قيل. لكننا مع ذلك لا نستطيع الاستغناء عن الايمان والايديولوجيا والقانون. هذه العناصر الثلاثة هي التي تجعل المراحل المختلفة للتحول والتغيير متواصلة وتراكمية. ومن دونها ستكون كل نقلة للبشرية قفزا في مجهول، بدل ان تكون لبنة اضافية في بناء واحد متصاعد.

فيما يخص الوصف الأول، أي كون الشريعة قديمة، فهو صحيح. لكنه ليس مشكلة. ثمة مفاهيم ومباديء اقدم كثيرا من الشريعة الاسلامية، ولازال العقلاء يرونها صالحة وضرورية، وقد ذكرنا في حوار سابق مبدأ العدالة كمثال. نحن لا نتخلى عن مبدأ أو فكرة لانه قديم، بل نتخلى عنه حين يصبح غير مفيد أو غير متوائم مع حاجاتنا. وهذا الاعتبار بعينه هو المبرر الرئيس لتجديد الدين وتطوير علوم الدين ومناهج الاجتهاد والتفكير فيه.

لو فرضنا ان الشريعة صندوق مغلق، أي منظومة فكرية غير قابلة للتجديد فانطباعك صحيح. كل ما لا يقبل التجديد سيعجز عن استيعاب الجديد المبتكر. لكننا نقول بعكس ذلك. نقول ان التجديد جزء عضوي من مفهوم الدين في صورته الواسعة. ولهذا السبب فهو قادر على التعامل مع مستجدات الحياة وتحدياتها. الفارق الرئيس بين دعاة الاصلاح في الفكر الديني وبين التقليديين يكمن في معنى التجديد ومفهومه وبالتالي عمقه وحدوده. وأنا ممن يرى ان معظم ما يعتبره التقليديون من الثوابت، غير ثابت في الحقيقة. وأرى ان الاصل هو تحقيق اغراض الدين وليس صورته ومظهره. أهم اغراض الدين في رايي هو مساعدة الانسان على تحقيق انسانيته الكاملة، حتى بلوغ الكمال الممكن في ذاته، واعمار الكون الذي يسكنه. اذا وجدنا أي حكم يتعارض مع هذا الغرض فسوف نضحي به.

وفقا لهذا التحديد فاني أجد جانبا كبيرا من الفقه الاسلامي بحاجة إلى غربلة. وقد سبق ان اشرت في سياق الحديث عن علم الكلام الجديد، إلى حاجتنا لوضع فلسفة عمل جديدة، تشكل ارضية للاصلاح الفكري والديني. نحن لا نحتاج إلى اصلاح حكم أو بضعة احكام في قضايا بعينها، بل اصلاح الاساس الذي نبني عليه الأحكام.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.