آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 5:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

«15» تاريخية النص؟

الدكتور توفيق السيف *

وبالتالي دكتور توفيق، هنا يمكن أن نتكلم عن تاريخية النص الديني في سياقات معينة أو في زمان معين أو في مكان معين، ام هناك شيء آخر؟

مفهوم تاريخية النص تحدث عنه عدد من المفكرين المعاصرين، مثل الاساتذة محمد اركون وعبد الكريم سروش ومجتهد شبستري. لكني لا اميل للحديث عنه في هذه الفرصة المحدودة، ففيه تشعبات لا يسمح بها المقام. سأكتفي هنا بالاشارة إلى مسالة مبدئية تلقي ضوءا اجماليا على الفكرة.

تاريخية النص معناها ببساطة ان النص مجرد ظرف للرسالة التي في داخله. ما يريده الخالق منا موجود في الرسالة الداخلية التي تمثل قيمة ومعيارا جرى ادراجه ضمن النص او القضية التي يحكيها النص. بناء عليه، فان الثابت والعابر للزمان والمكان هو القيمة والرسالة الداخلية التي عرضت في صورة نص أو قضية يحكيها النص. النص بذاته والقضية بذاتها مجرد ”ظرف“، أو حامل للرسالة، مثل الاناء الذي يقدم فيه الطعام. بطبيعة الحال يلعب الاناء دورا في تنظيم الاكل أو جذب الناس اليه أو تسهيل تناوله، لكن المحور يبقى هو الطعام ذاته وليس الاناء. وبهذا المعنى فانه ليس ضروريا اعتبار منطوق النص أو القضية التي يحكيها دليلا نهائيا عابرا للزمان والمكان.

في الوقت الحاضر تتركز عملية الاستنباط ”الاجتهاد“ على النص باعتباره هو - بذاته - البرهان والدليل. ولذا يقال ان النص الواضح الدلالة، الثابت السند، دليل قطعي على الحكم. منذ زمن طويل اكتشف الفقهاء ان هذا القول المطلق بحاجة إلى تحديد وتقييد، فوضعوا مثلا ”سبب النزول“ كامارة مقيدة أو شارحة لمراد النص. ووضع الفقيه الاندلسي ابو اسحاق الشاطبي مفهوم ”المقاصد الشرعية“ في نفس السياق. وفي ايران المعاصرة ابتكر الامام الخميني فكرة ”وزن المصلحة“ المنظورة في الرأي الفقهي مقابل نظيرتها في رأي العرف المتمثل في اكثرية نواب الشعب، كدليل حاكم للاخذ بالرأي الفقهي أو رده. هذه كلها محاولات استهدفت تجاوز الاشكالية التي يثيرها القول باطلاق حاكمية النص الواضح.

لكن كما اشرت سلفا فان القول بتاريخية النص يتجاوز هذا كله ويستهدف جعل العقل الجمعي في كل زمان مصدرا للالزام الشرعي. وهذا من الأمور التي تنطوي على اشكاليات كبيرة، تحتاج إلى نقاش خاص.

هل ترى ان الفكر والفقه الاسلامي الموجود بين ايدينا اليوم قادر على تجديد نفسه؟

البحوث العلمية سواء في الفقه أو غير الفقه، التي سارت على نفس النمط القديم، لا أظنها ستأتي بجديد. فهي تعيد إنتاج ماهو معروف ومالوف بصياغات جديدة احيانا. هذا اشبه بكتاب قديم يعاد نشره على الانترنت. الوسيلة الحديثة لا تغير من حقيقة ان الفكرة قديمة ومنفصلة عن زمنها. اما الافكار الجديدة التي نعرفها اليوم، فهي ثمرة التفاعل الايجابي مع الاسئلة الجديدة، سيما الاسئلة التي تتناول المسلمات المعتادة والموروثة، وهي ايضا ثمرة الفصل بين النص وما حوله من معارف وشروح واجتهادات بشرية.

الفكر والفقه الذي بين أيدينا اليوم، معظمه يدور حول اسئلة قديمة، ويعالجها بأجوبة قديمة أيضا. ويحتفل بعضهم أحيانا لأن فقيها أجاب على سؤال حول الصلاة على سطح القمر مثلا، أو الطريقة المقترحة للاحتيال على أحكام الربا ببيع شيء وهمي بثمن أعلى من قيمة القرض، ويسمي هذه الاشياء بالمسائل الحديثة ويطلق على صاحبها اسم ”الفقيه المجدد“. ونعلم ان هذا عبث لا طائل تحته. التجديد المطلوب ليس في الفروع الصغرى ولا في المسائل الافتراضية ولا في الاشكال. هذا تجديد لا يختلف عن تجديد الديكور في بيت متهالك.

نحن بحاجة إلى فلسفة جديدة تعالج العلاقة بين الدين والعصر، ولا سيما التحديات والحاجات التي لم يعرفها الأسلاف. لدينا في عالم اليوم نظام اقتصادي جديد، يختلف جوهريا في فلسفة عمله وآلياته واستهدافاته عن الاقتصاد القديم. ولدينا نظام سياسي جديد تماما في كل أركانه وتفاصيله والقيم الضابطة له والمفاهيم التي يسير عليها أو يستهدف اقرارها. تغير مسارات الحياة ادى بالضرورة إلى تغيير قضاياها ومشكلاتها. وهذا ينعكس على حياة الفرد الواحد، وعلى العلاقات داخل العائلة، وعلى علاقة اعضاء المجتمع ببعضهم، وعلاقتهم بالدولة، وعلاقة الدولة المسلمة بمجتمعات العالم الاخرى. وتتوزع هذه الانعكاسات على كافة مجالات الحياة اليومية. انظر حولك وتأمل في أي شأن صغير أو كبير، سترى انماطا جديدة تشير إلى فلسفة مختلفة عما كان معروفا في الماضي. فهذه كلها تحتاج إلى معالجة أساسية تبدأ بالارضية الفلسفية التي نبني عليها الرؤية الدينية لعالم اليوم، ومن ثم الاحكام التي نريد تطبيقها على نحو لا يعطل الحياة ولا يضطر المسلم إلى التحايل أو يوقعه في حرج المقارنة بين حاجاته الدينية وحاجاته الحياتية.

كانك تقول علينا ان نبدأ بالجانب الفكري - الفلسفي أولا، ثم نذهب إلى الفقه.

تماما. عرف السابقون الفقه بانه علم الفروع. وهو تعريف صحيح. اعتقد اننا لا نستطيع تطوير نظام فقهي متوائم مع العصر ما لم نجدد الاصول والارضية التي يقوم عليها. يهمني هنا الاشارة إلى مسألة ربما تثير قلق التقليديين عند أي حديث عن التجديد. وفحواها انهم يخشون من ”تغيير“ الشريعة تحت غطاء تجديدها. وهذا قلق مشروع، لأن المقصد من كل هذه النقاشات هو تعزيز مكانة الشرع في الحياة وليس استبعاده.

ثمة ما يشبه التوافق على ان الجانب الاعظم من التجديد المطلوب يتناول التكاليف الخاصة بالمعاملات، فهذه هي التي طال موضوعاتها تحول جذري يتطلب مراجعة للاحكام المنظمة لها. وفي هذا الصدد الاحظ ميلا متزايدا لاعتبار المصالح العقلائية معيارا لنقد الاحكام. واستشهد هنا بما كتبه مثلا سادات فخر، وهو من أساتذة الفقه المعروفين في الحوزة العلمية في قم، الذي يقول ان المصالح العامة القابلة للادراك من جانب العقلاء، هي ارضية  الأحكام الخاصة بالسياسة العامة، وان ”تقييمنا لأحكام الفقه يتقرر على ضوء ما تحققه من أغراض. فلو أصدر فقيه حكماً ثم تبين أنه لا يحقق الغاية المنشودة، فعليه أن يشكك في استنباطه“.

التوصل إلى احكام منبثقة من القيم الدينية، قادرة على استيعاب تحديات الحياة الجديدة، يجب التمهيد له بوضع رؤية دينية جديدة للانسان والعالم، أي فلسفة عمل تستوعب التحولات المعرفية والاجتماعية والقانونية والسياسية التي جرت في العالم، سيما في نصف القرن الأخير.

هذه الرؤية سوف تتضمن بالتأكيد مفهوما جديدا عن دور الاسلام في الحياة العامة، ودور الفقه في تنظيم هذه الحياة. وكمثال جزئي، فقد اقترحت في حديث سابق تغيير مسار الاستنباط، بحيث يبدأ بالغاية وليس السؤال. أي اننا نبدأ بتقرير غايات التشريع واهدافه، او - حسب الشاطبي - المقاصد الشرعية، ثم نسأل ما الذي يعين على تحقيق هذه المقاصد وما الذي يعيقها، ثم نضع الاحكام بناء على هذا التقرير.

كمثل على هذه الطريقة: فقد تقرر ان من غايات التشريع ومقاصده صون المال. هذا يستتبع اسئلة عديدة: هل نقصد الاملاك الخاصة ام المال العام «الثروة الوطنية»، ما هي السبل المعروفة حاليا لصون - أو زيادة - المال العام والخاص، وما هي المعيقات؟، ما هو دور النظم والاستراتيجيات والسياسات والمؤسسات المالية المعاصرة في تحقيق هذه الغاية أو اعاقتها؟. ماهي علاقة هذه الغاية بالغايات والمقاصد الاخرى مثل صون كرامة الانسان ومنع استغلاله، ومثل الاستقلال وتعظيم قوة البلد، ومثل تمكين المجتمع المسلم وتعزيز تأثيره في القرار السياسي المحلي والدولي؟.

هذا مثال مختصر عن استنباط الاحكام بناء على رؤية جديدة لغايات التشريع ومقاصده. واعتقد ان تطبيقها سيقود إلى الغاء كثير من الاحكام التي لم تعد فعالة أو متصلة بهذا الزمن، واضافة احكام جديدة لم تكن معروفة من قبل. اعتقد ان موقع البنك ومفهوم الربا مثلا سوف يتغير جذريا، ومثله تعريف انواع التعاملات التجارية، سيما الآجلة أو الافتراضية التي يتوقف فيها كثير من الفقهاء. وكذلك تعريف وعاء الزكاة والخمس، وكثير من احكام العقود والضمان.. الخ.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.