آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 4:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

«16» في مفهوم الحرية

الدكتور توفيق السيف *

تقول في احد مقالاتك المنشورة ”لو أردنا تلخيص تاريخ الانسان منذ بدايته وحتى اليوم في جملة واحدة، لقلنا انه كفاح من اجل التحرر والانعتاق“. هل هذه الجملة كافية لتلخيص الثورات العربية المعاصرة؟.

أظنها كافية لتلخيص تاريخ البشر كله. كل انسان يولد مجهزا بميل غريزي للتحرر من حدوده المادية الضيقة. هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي واحدة من نعمه التي جهزهم بها لحظة خلقهم. لا يختلف الطفل الصغير عن الانسان الناضج. كلهم يسعى للتحرر من القيود التي تحد من حركته، هذا يسعى للتحرر من الفقر وذاك يسعى للتحرر من الجهل، وآخر يكافح للتحرر من المرض، وآخر من الطغيان الاجتماعي أو السياسي، لأن هذه جميعا قيود تقيد حركة الانسان. العلم يحرر عقل الانسان فلا يعود متكلا على معارف غيره، حتى البسيط منها. فكلما تعلم شيئا تحرر من الحاجة للغير، اي تحرر من تلك الحدود التي يرسمها له غيره. واذا تخلص من الطغيان السياسي تحرر ذهنيا وجسديا. واذا خرج من حالة الفقر تحرر من ذل الحاجة والزاماتها.

هذا على المستوى الفردي. وتجد الامر نفسه على المستوى الكوني. فالبشرية تكافح من خلال الابتكار والتعلم والتجربة للتحرر من الحدود الضيقة للبيئة الطبيعية، المحلية أو الكونية. لولا هذا الكفاح لبقي البشر أسرى لقيود الجغرافيا وحدودها.

بعبارة موجزة، فان الانسان مفطور على الكفاح من اجل الانعتاق من قيوده وحدوده. حقيقة الانسان كمخلوق مفكر متغير، تجعله اكبر من حجمه الجسدي. ولهذا يضيق بحدود الجسد وحدود البيئة التي تحتويه. بقية المخلوقات تقتنع بما تصل اليه وما تحصل عليه. أما هذا المخلوق فهو ”عاجز“ عن القناعة، مدفوع بخياله وليس بقدراته الفعليه. وهذا هو سر توقه للتحكم في عالمه. ما يفعله البشر من كشف واختراع، وكذلك السفر، تعلم التجارب، اللغة، الصراعات، الحروب، والسعي وراء الثروة، كلها أمثلة عما يفعله هذا المخلوق لتجاوز الحدود الضيقة للجسد والجغرافيا... اي كفاحه من اجل التحرر والانعتاق.

تتحدث عن الحرية والسعي للتحرر كحركة غريزية عند الانسان، لا علاقة لها بالايديولوجيا أو المعتقد. اذا كان هذا صحيحا، فلماذا يعارضها كثير من الناس، سيما بناء على مبررات ايديولوجية أو دينية؟.

لا أرى احدا من الناس يعارض ”الحرية“ هكذا بشكل صريح ومطلق. ربما يختلفون في مساحة الحرية التي يرونها ضرورية. أو يختلفون في تقديرهم للتناسب الضروري بين الحرية والمسؤولية التي تترتب عليها. قد يجادلون في تقدير ضرورتها في وقت معين أو ظرف معين، أو في اهلية اشخاص بعينهم لممارستها وتحمل العواقب الناتجة عن هذه الممارسة. هذه كلها مبررات قابلة للتفهم، وقد نقبل بعضها أو نرفضه. لكن لم يتجرأ احد على القول ان الحرية سيئة وان العبودية حسنة، أو انه مع العبودية ضد الحرية. لا اليوم ولا في الماضي، لا عندنا ولا في اي بقعة على وجه الأرض.

لعل هناك من يتحدث عن مبررات لاستعباد الآخرين، مثلما جرى في الولايات المتحدة الامريكية، بعد اعلان الرئيس ابراهام لنكولن الغاء الرق في 1862م. ومثل أولئك الذين يحاولون تبرير هذه الممارسة القبيحة في تاريخ المجتمعات المسلمة القديمة. هناك ايضا من تحدث عن تفاوت طبيعي بين البشر، يسمح باعتبار الرق نسقا طبيعيا أو صحيحا في الحياة. لكن أيا من هؤلاء لن يسمح أبدا بمجرد التفكير في استعباده شخصيا أو استعباد احد من ابنائه. فهم - مثل بقية العقلاء - يرون الرق تهوينا من قيمة الانسان.

هذا بطبيعة الحال نقاش عتيق، فلم يعد الرق قائما في العالم، حتى لو وجد من يبرره. اما موضوع النقاش القائم فيتناول التطبيقات المعاصرة لمفهوم الحرية الفردية والمدنية، أي حرية التفكير والمعتقد، وحرية التعبير والعمل والحركة، وحرية اختيار نمط الحياة والمستقبل والمشاركة في الشأن العام. هذه هي القضايا التي يدور حولها الجدل اليوم.

الامر كما قلت. الجدل حول الحرية لا يتناول سلامتها كقيمة مجردة. المشكلة، كالعادة، في التطبيقات. لكني اجد ان من يدعون الايمان بالحرية لا يحفلون كثيرا بمنحها للآخرين. يبدو ان سر الخلاف يكمن في معاني الحرية وتطبيقاتها.

الحقيقة ان جزء من المشكلة يتعلق بمفهوم الحرية ذاته. وهذا موضوع لجدل قديم. وقد ذكر الفيلسوف البريطاني المعروف ايسايا برلين ان تاريخ المعرفة سجل نحو 200 معنى للحرية.. ويرجع هذا التقدير إلى منتصف القرن العشرين. هذا التعدد المفرط، يدل بالتاكيد على ان مفهوم الحرية أوسع كثيرا واعمق مما تشير اليه، في النظرة الأولى، كلمة من اربعة حروف.

وردت الحرية عند فقهاء المسلمين كمقابل للرق. فالانسان الحر عندهم هو الذي لا يملكه انسان آخر. وتحدث بعض الفلاسفة والمتصوفة عن الحرية في معنى كمال النفس وتحررها من الخضوع للشهوات، وعبروا عنها بسيطرة النفس العليا اي العقل، على النفس السفلى اي الغرائز، وبعبارة اخرى: تحكم العقل في كل حركات الانسان وافعاله. وهذا ما أشار اليه الراغب الاصفهاني في وصفه للحر: ”من لم تتملكه الصفات الذميمة من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية“، وكذا الجرجاني الذي يقول:

الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة: الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار، وهي على مراتب: حرية العامة عن رق الشهوات، وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق، وحرية خاصة الخاصة عن رقّ الرسوم والآثار، لانمحاقهم في تجلّي نور الأنوار.

بهذا المعنى فان مفهوم الحرية لا يطابق المعنى الذي نتداوله اليوم. وهو اقرب إلى مستوى روحي تناله نخبة صغيرة من المجتمع، عن طريق العلم والرياضة الروحية، وتكييف النوازع الداخلية للانسان وأسلوب معيشته، حتى ينسجم تماما مع قواعد الاخلاق والفضائل. ومن هنا فان غرضها هو تحرر الانسان في ذاته، وليس حريته من قهر المحيط. انها - من بعض الوجوه - تعبير عن فكرة الكمال الانساني التي تحدث عنها الفلاسفة في قديم الزمان.

اما الحرية في المفهوم المعاصر، فلا تتعلق بداخل الانسان، بل بمحيطه. وابسط تعريفاتها هو ما وصف بالتعبير السلبي، وفحواه كون الانسان محميا بالقانون من التدخلات الاعتباطية في حياته واراداته. والمقصود بالاعتباطي هو الاعمال التي يقوم بها الناس وتتضمن الزاما لآخرين باراء أو افعال لا يريدونها، أو منعهم مما يريدون، من دون الاستناد إلى قانون يسمح بهذا التدخل. وهذا يشمل ايضا تدخل الدولة خارج اطار القانون. كما يشمل التعسف في استعمال القانون على نحو يخرق الحريات الفردية.

بعبارة اخرى فان الحرية في هذا المعنى تعادل استقلال الفرد. بموجب المفهوم المعاصر للحرية، فان كل فرد يملك مساحة من الحياة الفردية المستقلة، التي لا يسمح بتدخل الدولة فيها عن طريق التقنين. وهذه تسمى بالمجال الخاص أو الشخصي، وهو خارج عن نطاق القانون أو سلطة المجتمع. وان هذه المساحة يجب ان تكون محمية بالقانون ضد تدخلات الاخرين مهما كانت مبرراتها.

الواضح اذن اننا ازاء مفهومين مختلفين للحرية. مفهوم يصرف معنى الحرية إلى سيطرة الانسان على ميوله وغرائزه، ومفهوم يصرفها إلى استقلال الفرد من قسر الاخرين وتدخلهم الاعتباطي في حياته وخياراته. ومن البديهي ان من يؤمن بالأول لا يعتبر المفهوم الثاني حقيقيا أو ذا قيمة. ولذلك فربما لا يعيره اي اهتمام. بعبارة اخرى فان الخلاف حول الحرية لا يتناول تطبيقاتها فقط، بل هناك ايضا خلاف في المفهوم والقيمة ذاتها.

النخب العربية والاحزاب السياسية والايديولوجية المعاصرة، كلها تتحدث عن الحرية في المفهوم الجديد كما يبدو. لكنها مع ذلك لم تقدم نموذجا يستحق الاهتمام. واعني خصوصا تلك الجماعات التي حصلت على مكانة سياسية أو تاثير.

هذا صحيح. فكل الفاعلين في المجال العام ينادون بالحرية كهدف أو كمطلب. لكنهم في واقع الامر يتحدثون عن مفهومهم الخاص للحرية. وهو قد لا يطابق مرادات الناس أو تطلعاتهم. بل ان بعضهم يرفع شعار الحرية دون ان يكون مؤمنا بها في الحقيقة.

تمايز مفهوم الحرية عند الجماعات السياسية، سببه الرئيس هو اختلاف تقدير هذه الجماعة أو تلك لأولوية الحرية كقيمة وممارسة على غيرها من الخيرات الاجتماعية. نعلم على سبيل المثال ان الماركسيين سخروا من مفهوم الحرية الليبرالي، واعتبروه طموحا بورجوازيا لا ينفك عن ارادة الهيمنة واستغلال الطبقات الكادحة. وخلاصة رأيهم في هذا السياق ان الحرية واحدة من حقوق الافراد، لكن الاهم منها والسابق عليها، هو تحقيق العدالة الاجتماعية للجميع. مبرر تأخير قيمة الحرية عندهم، هو انها ستبقى بلا معنى طالما كان الانسان جائعا أو فقيرا معدما. لا يستطيع الانسان التمتع بحريته طالما كان مفتقرا إلى ضرورات الحياة الأولية مثل الغذاء والدواء والمسكن.

واشتهر العهد الناصري في مصر بالشعار المعروف ”لاصوت يعلو فوق صوت المعركة“. ويقول دعاته ان حرية الفرد ستبقى مجروحة، طالما بقيت أرضه محتلة من قبل العدو. كان تحرير الارض أولى عندهم من تحرر الانسان.

وفي وقتنا الحاضر تقف شريحة كبيرة من الاسلاميين التقليديين ضد دعاة الحرية. لانهم يرونها طريقا إلى انفلات الزمام، وتدهور المعايير والاعراف اللازمة لصيانة اخلاقيات المجتمع ومظهره الديني. ولهذا يقترحون جملة من الضوابط لمنع الانفلات أو نفوذ الثقافة المعادية. هذا بالطبع يستدعي تدخلا متزايدا من جانب الدولة، يقود بالضرورة إلى تضييق مساحة الحريات الفردية. من يرى هذا الرأي لا يعارض تقليص مساحة الحرية، لان الخيرات التي يخشون عليها ارفع قيمة من حريات الأفراد.

بعض المبررات التي يرفعها معارضو الحرية تبدو مقنعة، على الاقل ضمن ظروف معينة.

يجب ان لا نخدع انفسنا، كما يجب ان لا نسمح للشطار بخداعنا. حين يعترف الاقوياء واصحاب السلطة بالحرية كحق للناس جميعا، عندئذ سوف نقبل النقاش في حدودها وظروف التحديد. لكن الحاصل حاليا انهم يعتبرون الحرية مجرد سلعة سياسية، تتاح أو تحجب تبعا للظروف، مثل أي سلعة أخرى. الذي نتحدث عنه هو ان الحرية حق أصلي فطري لجميع الناس. خلقهم الله أحرارا ويبقون هكذا حتى يعودون إليه سبحانه. وليس لعبد من عباد الله ان يغير فطرة الله او يتحكم فيها. لا يجوز له ان يتنازل عن حقه الخاص في الحرية، كما لا يجوز له ان يحجب حق غيره.

نحن لا نتحدث عن الحرية كسلعة سياسية تمنحها الدولة او يمنحها المجتمع. فهي حق لكل فرد قبل ان يوجد المجتمع وقبل ان تولد الدولة. انها اعلى مرتبة من كل القوانين والعلاقات الاجتماعية. ومن هنا فان تحديدها أو ضبطها يستوجب ان يكون مبنيا على تبرير يعادل في قوته قوة الحق الأصلي. وان يكون هذا التحديد او الضبط مؤقتا ومشروطا بالتعويض، لأنه كما قلت حق لكل فرد، لا يجوز حجبه او تحديده دون مقابل مناسب. وقد كرست فصلا خاصا في كتابي ”رجال السياسة“ لشرح هذا المفهوم، اي ”الحرية باعتبارها حقا“. وهذا الفصل منشور ايضا على مدونتي الشخصية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.