آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 4:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

«18» بين التقييد والتقيد

الدكتور توفيق السيف *

البعض يعتقد أن الإيمان الحقيقي هو ثمرة إختيار حر غير قسري. ونعرف أن المجتمع الليبرالي يوفر الحرية الكاملة للناس كي يؤمنوا بما يطمئنوا اليه، فهو يعتبر العقيدة حقا شخصيا لا يجوز للمجتمع أو الدولة استعمال الجبر والتحديد القسري فيه. هل ترى ان هذا الظرف هو الامثل لتحقيق الايمان؟

هذا رأي آية الله محمد مجتهد شبستري، وهو فقيه وأستاذ فلسفة في إيران. فهو يرى أن النظام الليبرالي الديمقراطي هو النظام الوحيد في هذا العصر، الذي يوفر فرصة لحياة دينية سليمة. بمعنى أنه يمكن الإنسان من إختيار طريقه ومعتقده، يمكنه من ممارسة عباداته دون قلق أو حرج، أو حاجة للتبرير للآخرين أو الخوف منهم.

شعور الإنسان بأنه حر حرية كاملة في إختيار طريقه الديني، يجعله أقرب إلى معرفة الله عز وجل، وأقدر على فهم علاقته الخاصة والشخصية بالله عز وجل. الايمان في ذروته، طريق يسلكه المؤمن إلى الله عز وجل، تواصل روحي واندماج للذات في حب المطلوب المعبود. وبهذا التعريف فهو تجربة شخصية تتوقف على تحرر القلب والعقل من الضغوط الخارجية، سواء ضغط الثقافة أو ضغط المادة أو ضغط الأسرة أو ضغط الدولة أو غيرها.

وقد ورد في القرآن الكريم آيات عديدة تؤكد على الاختيار وعدم الاكراه. وأذكر عبارة للعلامة الحلي يصرح فيها بان ”القهر والاجبار على الطاعة ليس بلطف، لانه مناف للتكليف“. وجاء هذا القول في سياق حديثه عن نظرية اللطف التي فحواها ان من حقوق العباد على ربهم ان يعينهم على سلوك الطريق الاقوم، ويسمى هذا باللطف الواجب. ومثلها رأي عدد ملفت من الفقهاء والمفسرين في الاية المباركة ”لا إكراه في الدين“. فقد قرر العلامة الطباطبائي انها تشريعية تتضمن امرا بعدم الاكراه. وهو أيضا رأي المرحوم فضل الله.

لماذا اذن يجري القسر على الاعمال الدينية مثل الصلاة ومنع الافطار في رمضان والزكاة الخ..

يهمني التفريق بين ثلاثة امور: الايمان والشريعة والممارسة. أ» الايمان: هو جوهر علاقة الانسان بربه، أي ما نسميه بالدين. وهذا لا يجوز فيه الاكراه ولا ينفع. ب» الشريعة: اذا تبنت جهة صالحة - البرلمان مثلا - قانونا مستمدا من الشريعة، فان احكامه ملزمة لان القانون ملزم، وطاعته فرض على كل من يعيش ضمن النطاق القانوني للبلد المعني، مثل أي قانون عادي. ولا نجادل في هذا، لأن القانون وضع ليكون سيدا مطاعا، وليس فيه اختيار. ج» الممارسة: وهي الاعراف التي تتضمن قسرا، أو القوانين التي يجري تطبيقها على نحو متعسف، مثل الزام الناس باغلاق محلاتهم وقت الصلاة أو دفع الزكاة لجهة محددة دون غيرها. فهذه لا أصل لها وليست من الشريعة. في الامثلة التي ذكرتها نلاحظ ايضا هذا التنوع، فالجبر على الصلاة والصوم ليس من الشريعة، اما منع ”التظاهر بالافطار“ في رمضان في بلد مسلم، فهو من القانون.

بصورة عامة استطيع القول ان الالتزم بتعاليم الدين ينطوي - بالضرورة - على تقييد للحرية. اليس كذلك؟.

هذا ايضا سؤال عريض وهو يشير إلى قضايا متشعبة. ولهذا اقترح تحديد محل النقاش في نقطة واحدة فقط هي: الفارق بين التقيد الذاتي، وهذا هو موضوع العلاقة بين الدين والحرية، والتقييد الخارجي، وهو موضوع العلاقة بين الحرية والشريعة «القانون».

نعلم في المبدأ ان الايمان ليس شيئا يفرض على الناس رغما عنهم. تستطيع ان تفرض على الناس مظهرا خارجيا تسميه دينيا أو غير ديني. لكن ليس لهذا علاقة بالايمان الذي مكانه القلب. الآية المباركة ”لا إكراه في الدين“ تعني ان الايمان لا يدخل القلب ولا يستقر فيه، ما لم يكن الانسان مريدا له راغبا فيه. اما اذا اجبر عليه، فربما يتظاهر بالتدين، دون ان يكون مؤمنا. واذا فعل الانسان ذلك اختيارا، اي تظاهر بالتدين الخارجي دون الايمان الداخلي به، من دون ان يكون مضطرا فهو بحسب التوصيف الديني ”منافق“. النفاق هو اظهار التدين من دون ايمان به، دون ان يقسرك أحد على ذلك. أما في حال القسر والاضطرار، فالأمر مختلف.

حين تختار الالتزام برأي أو فعل أو ترك رأي أو فعل، من دون ان يضطرك أحد إليه، فليس في هذا تقييد لحريتك. لأن تقييد الحرية بحسب التعريف المختار لا يكون الا من الخارج. اما التقيد الاختياري فليس كذلك. ومثاله امتناعك عن اكل شيء أو شراء شيء أو الحديث في شيء أو تبنيك لموقف أو ايديولوجيا أو طريقة في الحياة، فهذه كلها تؤدي - بالضرورة - إلى امتناع اختياري عن الاخذ بما يعارضها، لكنك لا تعتبر هذا تقييدا لحريتك. فكذلك من يختار الايمان، فانه يختار جملة من الالتزامات برؤى وافعال والامتناع عن نقائضها. هذا فعل اختياري في المبدأ.

نأتي الان إلى التقييد الخارجي، القائم في إطار الشريعة. فأنا في المبدأ أميز بين معنى ومفهوم الدين الذي ينصرف - عمليا - إلى الايمان القلبي، وبين الشريعة، التي قد تكون قانون البلد والمجتمع أو جزءا من هذا القانون. وقد ناقشنا فيما مضى حقيقة القانون كقيد على الحرية. والشريعة مثله، لانها في حقيقة الامر نوع من القانون، أو قد تتحول إلى اساس لقانون البلد. وبنفس المنظور فانها تعالج وتتعرض للاختبار والنقد اذا أدت إلى تضييق الحريات الفردية والمدنية، مثل اي قانون آخر.

بعبارة اخرى فحين ندعو إلى وضع القانون على ارضية الشريعة أو جعل الشريعة اساسا للقانون، فنحن نطالب أولا باقرار الحريات الفردية والعامة، وضمان صون القانون «أو الشريعة» لها، ومن بين ذلك حرية نقد القانون «او الشريعة»، ثم نتقبل بعد ذلك القيود التي يثبت ضرورتها.

زبدة القول ان الشريعة التي اصبحت قانونا، أو القانون المستمد من الشريعة، لا يختلف عن اي قانون عادي في وجوب ان ينطلق من الاقرار بحريات الافراد وضمانها، قبل وضع القيود الضرورية عليها. التقييد فيها استثناء من القاعدة الأصلية اي الحرية المطلقة، وليس سابقا لها.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.