آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 9:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

«19» الشريعة والدين والحرية

الدكتور توفيق السيف *

يبدو اننا غير متفقين في هذه النقطة. فالشريعة من عند الله، فهي ارفع من القانون. انت تستطيع معارضة قانون ما، لانه من وضع البشر أمثالك، لكن لا تستطيع معارضة شريعة الله. ثانيا: في الشريعة احكام ثابتة، أو هكذا تعتبر، بمعنى انه ليس لجهة ان تخالفها. وهي في الوقت نفسه تعد تقييدا. وقد ضربت في مثال سابق قصة عدم السماح للسيدة الايرانية بدخول دائرة حكومية دون غطاء الرأس، وهذا حكم سماوي وليس قانونا بشريا. هذا يظهر ان الشريعة ليست في مستوى القانون ولا يمكن معالجتها أو معارضتها كما نعارض القانون.

هذا من الاخطاء المشهورة. وقد قيل قديما ”رب مشهور لا أصل له“. وعلى أي حال فلا عيب ان اختلفنا حوله. تفصيل القول: ان الشريعة في المعنى العام هي مجموع ما ينطبق عليه عنوان الدين. اما في المعنى الخاص، وهو الذي نقصده هنا، فهو مجموع الاحكام التي تتعلق بافعال اعتبرت موضوعا لواحدة من القيم الاربع المشهورة، اي الواجب والمحرم والمستحب والمكروه.

بعد هذا نأتي إلى تقسيم افعال الانسان من حيث تأثيرها الخارجي، حيث نعلم انها نوعان: نوع يقتصر أثره على نفس الفاعل دون غيره، وهذا موضوع لمعظم العبادات. ونوع يتسع أثره فيشمل آخرين، مثل تداول المال والعلاقة بالاسرة والناس. هذا يشبه إلى حد كبير تمييز فقهاء القانون بين ما يندرج تحت عنوان المجال الخاص أو الشخصي، الذي لا يتدخل فيه القانون، وما يندرج تحت عنوان المجال العام، اي ما هو مشترك بين الناس، وهذا هو مجال سلطة القانون.

فيما يخص الشريعة فان القسم الأول خاضع تماما للعلاقة بين الفرد وربه. يعني لو ارتكبت إثما في بيتك، ولم يكن مضرا بأحد، فليس للقانون ان يعاقبك. بخلاف القسم الثاني الذي يخضع للتنظيم العام، سواء كان اسمه الشريعة أو القانون. تجليات علاقتك بالله، مثل الصلاة ومعظم العبادات، أمور تفعلها باختيارك. لا أحد يجبرك عليها ولا تنتظر رد فعل الناس حين تؤديها. انت تصلي سواء علم الناس بذلك ام لم يعلموا، لأنك اخترت البقاء على صلة مع ربك. انت تفعل هذا طمعا في رضا الله سبحانه وليس لأن القانون يفرض الصلاة عليك.

اما تعاملك مع الناس، في البيع والشراء، ومختلف اشكال التعامل الحياتي، فانه يؤثر عليهم، ولهذا فأنت مطالب بجعل التأثير محصورا في الاحسان، لا الاساءة. وحين يكون التعامل طيبا فلن تكون موردا للمؤاخذة، وهذا يستفاد من الآية المباركة ”ما على المحسنين من سبيل  - التوبة 91“. انما يعاتب الانسان أو يعاقب حين تؤدي علاقته مع الغير إلى الاساءة لهم والاضرار بمصالحهم. هذا مجال لسلطة القانون لانه البديل المعياري المتفق عليه عن التقديرات الشخصية التي تتفاوت من شخص إلى آخر.

لازلت مصرا على شرح المثال الذي ذكرته، اي اجبار المرأة على تغطية راسها حين تدخل دائرة حكومية. هل يصح الزام الناس بحكم شرعي مثل هذا؟.

ليس لدي رأي استطيع الدفاع عنه في هذا المجال. لكنني أتأمل في بعض النقاط المتعلقة بالجبر. وسوف أسرد هذه التأملات لعلها تفتح الباب للتفكير في المسألة.

الأولى: هل يصح الزام الناس بما يراه الفقيه حكما واجبا «مثل شكل الحجاب»؟. رايي انه يصح الالزام، اذا تحولت الفتوى إلى قانون صادر عن هيئة ذات صلاحية، مثل البرلمان، أو من طرف جهة رسمية تملك حقا دستوريا في اصدار مثل هذا القانون. هذا الالزام لا يعتبر حكما شرعيا بل قانون أو عرف ملزم. اما الفتوى التي لم تتحول إلى قانون فلا يصح الالزام بها.

الثانية: الفتوى القائلة بوجوب شكل معين للحجاب، هل هي موجهة للمرأة، اي هل الوجوب متعلق بفعلها واختيارها، وان عليها تبعا لذلك الالتزام بالحكم؟. ام ان الفتوى موجهة للمجتمع أو الدولة، بمعنى ان الوجوب متعلق بفعل المجتمع والدولة، وان عليهما تبعا لذلك الزام النساء بالحكم، أو منعهن من مخالفته. وهل قيام المجتمع أو الدولة بفرض شكل معين للحجاب مرجعه ذات الامر بالحجاب، ام أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.

الثالثة: على فرض ان حكم الوجوب متعلق بفعل المجتمع، فهل يجوز الالزام بموضوع مختلف فيه؟. نعلم ان ”شكل“ الحجاب ليس من مواضع الاتفاق بين الفقهاء، ولا هو موضع اتفاق عند العرف. ونعلم انه لا يصح الالزام في مواضع الخلاف، وهو ما نعرفه من شروط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا. فهل يصح الزام المرأة بشكل معين للحجاب الشرعي، مع العلم بالخلاف فيه؟.

الرابعة: وهي تتعلق بالنقطة الأولى. اذا فرضنا ان القانون صدر بناء على فتوى فقيه معين، واحتجت المرأة بانها ترجع إلى فقيه آخر لا يفتي بهذا الشكل، أو كان للفقيه نفسه فتوى مختلفة. فهل نعتبر باحتجاجها ام نرجح التقدير القانوني. نظريا يجب ترجيح القانون، لكن طالما ان القانون مبني على فتوى وان الفتوى محتملة الخلاف، فهل للقانون في هذه الحالة نفس درجة الزام القوانين العادية؟.

هذه مسائل، كل منها فيه مشكلة، لجهة تبني الدولة لرأي فقهي معين، والزام العامة بهذا الرأي. وليس لدي جواب محدد عليها. لكني اراها من المواضيع التي تحتاج إلى اجتهاد جديد، يأخذ بعين الاعتبار مجمل اطراف الموضوع المعاصر، وليس فقط التصوير الموروث للحكم ومبرراته.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.