آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 3:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

«20» الفردانية

الدكتور توفيق السيف *

الاحظ في كتاباتك ومقابلاتك ميلا واضحا للرؤية الفردانية. وهي - كما اعلم - مذمومة حتى عند الفلاسفة الاخلاقيين في الغرب فضلا عن المسلمين.

هذه مبالغة نوعا ما. فيما يخص الرؤية الفلسفية، أنا أكثر ميلا للرؤية الجماعية التي تعبر عنها نظرية جون راولز. وهي تنطلق من الليبرالية واحترام استقلال الفرد، لكنها تتعارض مع المقاربة الفردانية الكلاسيكية. لعل الميل الذي تذكره ناتج انطباعي عن تكرر نقدي للرؤية الجماعية المغالية، التي لا تعتبر الفرد سوى ممر للهوية الجمعية وليس كائنا مستقلا.

من ناحية أخرى فان القول بان الفردانية مذمومة عند الفلاسفة الاخلاقيين، فيه أيضا مبالغة غير محمودة. ولعل سبب هذه الانطباع هو سيطرة المضمون الاخلاقي على الجدل حول المسألة في مجتمعنا. وهو مضمون متأثر - بالضرورة - بالفهم المسبق والرؤية المستقرة، التي تعلي شأن الجماعة بشكل كلي يلغي أي قيمة لوجود الفرد واستقلاله. على اي حال فقد نحتاج للتوسع في مناقشة الفكرة، لأنها لا تحظى بما تستحقه من النقاش في إطارنا الثقافي المحلي.

يجب التمييز من حيث المبدأ بين مقاربتين مختلفتين لمسألة الفردانية:

أ‌» المقاربة الاخلاقية/القيمية، التي تستهدف الحكم على المبدأ. بعض الناس يرى ان قيمة الفرد وهويته مستمدان من تمثيله للتيار الاجتماعي العام واندماجه فيه، وبعضهم يرى ان الفرد كون مستقل وأن علاقته بالمجتمع عرضية. وبناء عليه فكل من الاتجاهين يؤسس منظومته الاخلاقية والقانونية تبعا لما يؤمن به.

ب‌» المقاربة العلمية التي تستهدف كشف العوامل الكامنة في العلاقة بين الفرد والجماعة. نعرف ان جميع الباحثين تقريبا يقرون بأن جانبا مهما من ذهنية الفرد وسلوكه اليومي، هو انعكاس لتأثير علاقته بالمجتمع. لكنهم يختلفون في نقطتين هما: حدود هذا التأثير، هل هو كلي ام جزئي، وهل هو معروف للفرد وبالتالي طوعي، أم انه غيرمدرك وينطوي - بالتالي - على نوع من الجبر.

هذه المقاربة تستهدف اذن كشف طبيعة الواقعة الاجتماعية، اي تحديد ما اذا كانت الظاهرة او الواقعة الاجتماعية مجموعة افعال متشابهة لمجموعة افراد يمكن تفكيكها، أو اعتبارها فعلا واحدا لكتلة اسمها المجتمع، بغض النظر عن افعال الافراد وتمايزاتهم.

الذين يعارضون الفردانية انطلاقا من المقاربة الاخلاقية، يركزون على كونها غطاء للانانية او مبررا لها. وفي هذا فهي من العيوب الاخلاقية. نعلم ان الفرد لا يولد ولا ينمو ولا تتطور ملكاته في معزل عن الجماعة. بل لا يمكن له ان يتمتع بالمستوى المتقدم من المعيشة الذي يطمح اليه، لولا مساهمة الاخرين. ولهذا فليس من الاخلاقي ان يتنكر لهم بعدما يصبح راشدا قادرا على المساهمة في حياة الجماعة وارتقائها.

اما الذين ينادون بالفردانية، فهم يرون ان استقلال الفرد وتحرره من قيود الجماعة، ضروري لجعل مساهمته في حياة الجماعة اكثر جذرية وتأثيرا. وهم يقولون ان اهم التطورات في حياة البشرية، قام بها أفراد تمردوا على الانماط والافكار والمسلمات السائدة في مجتمعاتهم. ولولا انهم تجاوزوا بخيالهم وطموحهم حدود المشهود والمتعارف، لما ابدعوا جديدا. جميع المبتكرين والمخترعين وكبار المفكرين والاقتصاديين وقادة الامم، كانوا من هذا النوع من الافراد الذين تجرأوا على مخالفة السائد والذهاب وراء ما اعتبره غيرهم تخيلات وأحلاما.

يرى هؤلاء ان مساهمة الفرد المندمج في الجماعة، ليست سوى تكرار لما يفعله الالاف من الناس، وما فعلوه في الماضي. بينما يوفر استقلال الفرد بفكره وتطلعاته وقيمه، فرصة لخيارات جديدة واحتمالات جديدة غير مألوفة، وهذا ما ينتج التقدم على مستوى الجماعة، وأحيانا على المستوى الكوني.

ما هو جوهر الاشكالية التي تحاول هذه النقاشات تفسيرها؟

جوهر الاشكالية هي كينونة الفرد القائمة بذاتها والمستقلة عن اي رابطة اجتماعية. هذا لا يعني بالضرورة انكار عضوية الفرد في الجماعة ومساهمته في حياتها. بل تشير تحديدا الى أهليته أو عدم أهليته لانكار ارادة الجماعة، اذا قررت شيئا يتنافى مع قناعاته تنافيا حديا.

نعلم على سبيل المثال ان هناك الكثير من الافراد مستعدون للتضحية بانفسهم وأموالهم في سبيل اوطانهم ومجتمعاتهم، حتى لو لم يكونوا مضطرين لذلك. هذا يشير الى اندماج مطلق في الجماعة ينطوي على انكار للذات. لكن هذا الفرد المستعد للتضحية قد يتساءل ايضا: لماذا يجب عليه ان يحرص على احفاده أكثر من حرصه على نفسه مثلا؟. لماذا يجب عليه ان يذهب لحرب قد يقتل فيها، اذا كانت النتيجة المحتملة هي استعباد مجتمعات اخرى، او تغول الدولة في مجتمعه الخاص؟.

المؤكد ان اي فرد سيرفض القبول بنزع حريته، او التنازل عن حقوقه، اذا عرف مسبقا ان هذا سيؤدي الى مذبحة او استعباد له ولانداده، او ربما ابنائه واحفاده، بناء على فكرة او ارادة اعتباطية، قررها فيلسوف او حاكم او جماعة.

هذا يشير الى الحاجة لوضع خط واضح، يميز بين ما نصفه بالرابطة العقلانية التي تشد الفرد الى الجماعة، وبين الانصهار الكلي الذي قد يقود لتبعية عمياء تذيب ذات الفرد وتلغيها. جوهر المسالة اذن هي القولبة والتنميط القسري الذي يلغي ذاتية الفرد، ويحوله من رقم قابل لان يكبر وينتج، الى صفر يضاف الى ارقام اخرى هي الدولة او الجماعة او الطائفة او السوق.

لا تخلو الفردانية من عيوب ايضا، وقد لا تقل عن عيوب الجماعية.

هذا مؤكد. النقاشات الفلسفية والسوسيولوجية حول الفردانية، لاحظت ان تغولها قد ادى الى نتائج سلبية. الوجوديون لاحظوا اغتراب الفرد بسبب هيمنة التكنولوجيا والثروة، وتحولهما الى محرك للعلاقات الاجتماعية والقيم. الفيلسوف المعاصر يورغن هابرماس لاحظ تشظي العالم وتحول الافراد الى ذرات هائمة يصطادها «ويستثمرها» أباطرة المال والاعلام. هذا ايضا يطابق الواقع القائم في ظل الدكتاتوريات، سواء منها الايديولوجية كالشيوعية والدينية، او الديكتاتوريات التقليدية، التي عملت على تدمير المجتمع المدني والجماعات الاهلية، كي تتجاوزها الى الفرد مباشرة. لكنها لم تستهدف تعظيم قيمة الفرد وحقوقه، بل الهيمنة عليه وقولبته. وهي نفس النتيجة التي أراد الفردانيون الخلاص منها، اي التغريب القسري للأفراد عن تاريخهم وذاكرتهم، وتحويلهم الى مجرد الات منتجة أو مستهلكة، ضمن الة ضخمة هي الدولة، بديلة عن التكنولوجيا والسوق. لاننسى ايضا ان تفكك العائلة وتدهور التكافل الاجتماعي هي من النتائج الطبيعية لتغول الفردانية.

سأعود إلى موضوع التقييد. الواضح ان المجتمعات الشرقية أميل إلى تقييد الفرد، بخلاف المجتمعات الغربية التي تحترم استقلالية الفرد. هل للدين تأثير في الخيار الأول؟

لاحظت ان الاسلاميين الذين ردوا على الليبرالية، ولا سيما المنظور الفرداني، اعتبروا ”أولوية الجماعة“ مبدأ ومنطلقا. بعضهم حاول ان يقدم مجادلة متوازنة، لكن هيمنة هذا المبدأ انتهت بهم إلى نتيجة هي أقرب إلى التبرير منها إلى الرؤية. واشير مثلا إلى النقاش المطول الذي كتبه المرحوم محمد قطب، ونظيره الذي كتبه محمد تقي مصباح يزدي. حيث وجه الرجلان نقدا شديدا إلى الفردانية الليبرالية، لكنهما أخفقا في تقديم بديل صلب، اي رؤية عن أولوية الجماعة قائمة على أرضية فلسفية أو سيوسيولوجية متينة. اعتقد ان النظرية التي اقترحها المفكر الايراني المحافظ محمد جواد لاريجاني أصلب كثيرا من نظائرها الاخرى. وقد عرضتها بالتفصيل في كتابي ”حدود الديمقراطية الدينية“. لم يتجه لاريجاني مباشرة إلى جدل الفرد والجماعة، بل ركز مقاربته على طبيعة الرابطة الاجتماعية، وقدم رؤية معاكسة للرؤية الليبرالية، تنتهي طبيعيا إلى تأكيد محورية الجماعة وأولويتها.

ينتمي جميع هذه المعالجات إلى هذا العصر. وليس لدينا اي بحث متين حول هذا الموضوع في التراث القديم. ربما باستثناء اشارات للفيلسوف المعروف ابو نصر الفارابي ضمن حديثه عن مفاسد المدينة الجماعية، في كتابه ”آراء أهل المدينة الفاضلة“. وهي لا تتعلق مباشرة بالموضوع، لكنها تشير إلى منطلقات الكاتب. ورأي الفارابي وموضوعه مستمد بالكامل من آراء ارسطو الفيلسوف اليوناني.

زبدة القول ان الفكر الديني لم يول اهتماما جديا لدور الفرد ومكانته في الجماعة. ولهذا استقر في الاذهان التصوير القديم، الذي كان سائدا في أوربا ايضا قبل القرن التاسع عشر، والذي فحواه ان هوية الفرد هي امتداد لهوية الجماعة، وان مصلحتها مقدمة على مصلحته، وان دوره مستمد من عضويته في الجماعة وخاضع لمعاييرها.

هذا تفكير ديني بمعنى تبنيه من جانب المجتمع المتدين، في المسيحية والاسلام. لكن ليس بمعنى ان هذا هو ما أراده الدين او ما نفهمه من النص الديني، سيما في إطار القراءات الجديدة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.