آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 8:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

«24» قهر العامة

الدكتور توفيق السيف *

نتحدث عادة عن القهر والتدجين باعتباره فعلا تقوم به السلطة السياسية، والذي ارى ان مجتمعنا يمارس قهرا لأهل العلم والمثقفين، قد يزيد سوء عن الاول.

هذا صحيح. ولطالما سمعت من يعاتبني على ما يظنه من قلة اكتراث بردة فعل المجتمع على بعض الآراء والمواقف. يميل الجمهور - عادة - الى التمسك بانماط التفكير واساليب الحياة التي جرى التعارف على صحتها. هذا يعني طبعا الاعراض عن الأفكار الجديدة والمناهج المبتكرة. ويفضل زعماء المجتمع مسايرة التوجه العام كي يحافظوا على مكانتهم. والقليل منهم فقط يغامر باتخاذ مواقف أو تبني آراء لا ترضي التيار العام من الجمهور.

ولهذا السبب ربما نجد قادة ذوي خلفيات اصلاحية يتحولون - بعد حصولهم على مكانة مؤثرة - الى اشخاص محافظين يمالئون المجتمع ويسايرونه ولو على حساب القيم التي انطلقوا منها في البداية. في احدى المناسبات «يناير 2013» كتبت نقدا مختصرا لحديث أدلى به ابن أحد الزعماء الدينيين، لما رأيته في ذلك الحديث من ركون للخرافة ودعوة ظننتها مضرة بالسلام الاجتماعي. فانهالت علي ردود كثير منها غاضب وبعضها شتم صريح.

للانصاف فقد كان اكثر الردود المكتوبة متعاطفا، وعلمت لاحقا ان ذلك النقد المختصر قد ترك أثره المطلوب. لكن خلال الأيام التي تلت نشر تلك الملاحظات تحدث معي عدد كبير من الاشخاص، معاتبين ولائمين. وكانت حجة الغالبية منهم ان نقدا كهذا مضر بوحدة المجتمع أو مضر بمكانتي الشخصية. وبعضهم اعتبرها مجرد تملق للحكومة أو محاولة للبروز.. الخ. وقد تكررت هذه المواقف والآراء في مناسبات أخرى حين انتقدت ظواهر اعتبرتها سلبية مثل انتشار السلاح بين شريحة من الشباب، والتقديس الاعمى لبعض علماء الدين الذين أحسبهم رموزا للميول الرجعية، ومثلها حين اقترحت مواقف سياسية غير متعارفة في المجتمع.

واجه غيري ردود فعل مثل هذه وأكثر قسوة. وأذكر للمناسبة ما جرى للشيخ عادل الكلباني، وهو من رجال الدين الذين يحظون بشعبية واسعة نسبيا، حين افتى باباحة الغناء أو بعض اصنافه. فقد اثارت تلك الآراء عاصفة هوجاء من التجريح الشخصي. وذكر الكلباني في حديث تلفزيوني انهم شككوا في أهليته العلمية، بل قال بعضهم ان مكانه الطبيعي هو سوق الخضار، ولمز بعضهم بشرته السمراء وقال اخرون ان كلامه متاثر بحالة اكتئاب أو أمراض نفسية.

المرحوم صالحي نجف آبادي، وهو فقيه مناضل بلغ رتبة الاجتهاد، تعرض هو الآخر الى حملة قاسية وصدرت كتب وفتاوى وبيانات تشكك في علمه وإيمانه بعدما نشر كتابه الشهير ”شهيد جاويد“ الذي تضمن نقدا لبعض المعتقدات المغالية. وحين سجن ونفي في عهد الشاه السابق، نأى معظم زملائه الروحانيين بانفسهم عنه، خشية ان يصيبهم بعض ما أصابه.

أضرب هذين المثالين لاشتهارهما، وثمة عشرات من الأمثلة الشبيهة في المبررات والمسار والنتائج. زبدة القول ان المجتمعات المحافظة شديدة اللوم لمن يخالف مألوفها وعاداتها، حتى لو بنى المخالف رأيه على دليل علمي.

افترض ان أكثر الذين يواجهون هذا القهر سوف يميلون الى كتمان رأيهم أو حتى التراجع عنه. لأن أحدا لا يريد الانفصال عن مجتمعه، ولا يحتمل عداوة المجتمع. هذا عيب ثقافي كبير، وهو بالتأكيد من أسباب ضعف قيمة العلم وقلة الابداع الفكري والفني في مجتمعنا. وما لم نتصد لعلاج هذا النقص الفادح، فسوف نبقى اسرى للمقولات الموروثة المكررة، والقوالب الفكرية النمطية التي انتهى زمنها ولم تعد سوى أثر من النفائس التي يجدر حفظها في المتحف.

فيما يخص دورك الشخصي: اعلم ان كثيرا من الناس ينظرون اليك كشخص بارز في مجتمعك. هل تجد نفسك مضطرا للاستسلام لما يسمى ”جبر العامة“ في بعض الأحيان، من اجل المحافظة على هذه المكانة، ام انك تميل للتمرد؟.

الذي يهمني في المقام الأول ليس المكانة الاجتماعية، بل القدرة على التأثير الفكري. ليس لدي طموح سياسي أو اجتماعي شخصي. لا أسعى لأي زعامة أو نفوذ. لكني مهتم أشد الاهتمام بابلاغ رسالتي كمفكر وصاحب رأي. أنا مهتم جدا بقضايا التنمية، سيما جانبها الثقافي والفكري. لدي عقيدة راسخة بان التنمية المستدامة والعميقة رهن بمشاركة الجمهور في التغيير. ولهذا فاني اجتهد كي لا تتسبب بعض الآراء الناقدة في اقامة جدار يحول دون الاستماع لما أقول وأكتب. استطيع الادعاء دون تحفظ انني لا أجامل على حساب ما أعتقد. لكني في الوقت نفسه لا أريد الانفصال عن عامة الناس، لا أريد ان ينظروا الى دعوتي كشيء دخيل أو اجنبي أو نقيض لقناعاتهم وقيمهم. احاول اذن الحفاظ على نوع من الموازنة بين ما أراه جزءا ضروريا من خطاب الاصلاح، وما أراه ضروريا من التحفظات التي تبقي ذلك الخطاب ضمن مسافة معقولة من قلوب الناس وعقولهم.

لا أريد ان أكون من فصيلة المثقفين المتنمرين على مجتمعاتهم، الذين يتحدثون في الهواء ولا يهتمون بمن يستمع. لا أريد ان يشعر الناس بأني لا أكترث بمشاعرهم ومخاوفهم. حقيقة الأمر اني شديد الحساسية ازاء هذا الأمر. أشعر احيانا انه يتوجب علي الوقوف مع الناس اذا ظلموا واستضعفوا، ولو كنت مخالفا لموقفهم في الاساس. هذا الموقف يبدو لبعض الناس ملتبسا ومنحازا. وقد واجهت بسببه نقدا غير قليل في الصحافة المحلية، وتعرضت لشتم مقذع في مواقع التواصل الاجتماعي. لكني اؤكد دائما ان موقفي الثابت هو مواساة الناس في أزماتهم ومحنهم. وبنفس القدر فاني اتبنى خطابا أراه ضروريا لصنع مستقبل أفضل لهم وللبلد ككل. وهو خطاب ينطوي بالضرورة على نقد لمعتقداتهم ومتبنياتهم وعاداتهم. وآمل ان استطيع الموازنة بين هذا الطرف وذاك، كما آمل ان يتفهم الناس هذا الموقف.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.