آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 11:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

«25» الايديولوجيا كحجاب

الدكتور توفيق السيف *

هل يستطيع توفيق السيف أن يقول عن نفسه أنه متحرر تماما من الايديولوجيا؟.

لست متحررا من الايديولوجيا. ولا أظنك ستعثرين على شخص في العالم كله متحرر من الايديولوجيا. الايديولوجيا هي الوسيلة التي نبني بها علاقتنا مع العالم المحيط بنا، فهي التي تمنح كل شيء معناه، وتربط الاشياء مع بعضها حتى تتحول من عناصر منفردة هائمة في الفضاء إلى أجزاء في مركب، هو رؤيتنا للعالم. وما لم يكن لدينا رؤية للذات والعالم، أي منظومة مفاهيم ومسلمات أولية نرى العالم من خلالها، فلن نحب شيئا ولن نقيم علاقة مع شيء مما يحيط بنا، لا إنسانا ولا فكرة ولا شجرة ولا ساعة.

في ظني ان الانسان لا يحتاج إلى التحرر من الايديولوجيا، على فرض ان هذا ممكن، بل يحتاج إلى:

أ‌ - الوعي بأنه يحمل ايديولوجيا / منظومة مسلمات ذهنية تؤثر على آرائه وأحكامه. ونتيجة لهذا فان آراءه ليست معيارية أو موضوعية في كل الأحوال.

ب - الوعي بان الايديولوجيا - حتى لو اعتقد بصحتها - تلعب أحيانا دور حجاب الحقيقة، أي أنها تظهر الأشياء للعين والعقل بخلاف ما هي عليه في الواقع الخارجي.

ج - الوعي بالفارق بين وظيفتي الايديولوجيا والعلم. وظيفة العلم هي وصف الأشياء وتفسير أحوالها، أما وظيفة الايديولوجيا فهي الحكم على تلك الأشياء والأحوال وتحديد قيمتها، أي إيجاد علاقة بينها وبين الشخص.

من هنا فاني من القائلين بإمكانية الجمع بين عقلين: عقل علمي يصف الأشياء ويفسرها، مهما تباينت مع رغبات الشخص وقناعاته ومعتقداته، وعقل ميتافيزيقي دوره صناعة المعنى، وتسكين الروح، ومنح الأشياء الخارجية لونا إنسانيا، وإيجاد علاقة جمالية بين الشخص والعالم. من المهم على أي حال الوعي بوجود هذه الثنائية وعدم الخلط بين العلم بالأشياء والحكم عليها.

وجود عقلين مسألة افتراضية، لكن على أي حال يبقى السؤال مطروحا: كيف للعقل العلمي ان يتحرر من تأثير العقل الآخر. نحن لا نتحدث عن شخصين بل عن واحد فيه اثنان؟.

هذا بالتحديد ما قصدته من استحالة التحرر من الايديولوجيا والميتافيزيقا، وهو ايضا صحيح في الجانب الآخر، أي استحالة التحرر من تأثير العلم. يعيش ذهن الانسان في حالة جدل دائم بين ما يحب وما يريد، وبين ما يتعلم من اشياء جديدة، يتعرف عليها من خلال القراءة أو المشاهدة أو المناقشة أو بتأثير التحولات التي تجري حوله. المعارف الجديدة تؤثر بالتأكيد على ذهنية الانسان وتغير هويته. هذا يعني ان العقل الميتافيزيقي ليس صلبا أو نهائيا.

ومن نفس المنطلق فان الجانب الميتافيزيقي والايديولوجي يضع اطرا لما يتعلمه الانسان، ويحدد مستوى واتجاهات تأثير المعارف الجديدة على عقله وشخصيته. بعبارة اخرى فاننا نتحدث عن ظرف متحرك، يميل الى هذا الجانب حينا، ويميل الى الثاني حينا آخر. لهذا نقول ايضا بأن هوية الانسان تتغير وتتسع وتتعدد باستمرار.

هناك بالتأكيد اشخاص عقولهم مغلقة على جانب واحد، علمي أو ميتافيزيقى أو ايديولوجي، أي ان تأثير المعارف الجديدة لا يغير فيهم الا قليلا.

هذا محتمل. لكني اشك في انه ينطبق على عدد كبير من الناس. اعتقد ان الاغلبية الساحقة من البشر عقولهم مفتوحة بقدر أو بآخر. ولذا فهم يتغيرون باستمرار. لكن قد تفيدنا الاشارة الى مسألة جانبية تفسر لنا لماذا نواجه احيانا حالات، لا يبدو فيها ان تحولات العلم والعالم قد تركت أي تأثير في ذهنية الشخص. واعني خصوصا الاشخاص الذين يتصلون بالعالم من خلال قنوات محددة توصل المعلومات بشكل انتقائي. بعبارة اخرى فنحن نتحدث عن اشخاص معزولين لا يرون العالم ولا يعرفونه الا من خلال قنوات خاصة. مثل السجناء الذين يسمح لهم بقراءة صحف محددة ومشاهدة قنوات تلفزيونية محددة والاتصال باشخاص محددين. هؤلاء لن يتفاعلوا مع تحولات العالم من حولهم لانهم لا يرونه ولا يتواصلون معه، حتى لو كانوا موجودين جسديا في وسطه.

هل يمكن ان يكون الانسان منعزلا بهذه الدرجة في عصرنا الحاضر؟.

من الناحية النظرية هو ممكن، لكن ربما بدرجات ومستويات مختلفة. واذكر من قراءاتي القديمة ان جون روكفلر، احد آباء صناعة البترول العالمية، اصبح - حين تقدم في السن - شديد الانزعاج من الاخبار السيئة، ولهذا قررت عائلته، حين تقاعد، ان تنشيء جريدة يومية تطبع نسخة واحدة فقط، كي يقرأها، وكانت هذه الجريدة تنشر فقط الاخبار المريحة للأب. اذكر مثالا آخر عن صديق طلبت منه في 1995 ان يتحدث مع زعيم سياسي بارز حول قضية حساسة فاعتذر قائلا ان هذا الرجل يغضبه الاستماع الى أي موضوع غير مريح أو مخالف لتوجهاته، مهما كانت أهميته. وزاد الصديق ان هناك الكثير من القضايا الضرورية للبلد معطلة، لأن الجميع يعلمون سلفا موقفه السلبي ازاءها، وليس ثمة احد يجرؤ على مفاتحة الرجل بها.

اذكر مثالا آخر عن رجل دين لا يقرأ الصحف ولا يطالع التلفزيون. ولديه مساعدون واصدقاء ينقلون له الاخبار بعد توجيهها على نحو يريحه. وفي بعض الاحيان يزيدون فيها وينقصون، كي تظهر في صورة تلقى هوى في نفسه. وقد زرته مرة فوجدته يتحدث عن اشياء غريبة لا يقبلها العقل. لكنه كان مقتنعا بها تمام الاقتناع، اشياء من نوع ان الجيش الامريكي يتألف في معظمه من جنود آليين يصنعون في مصانع تحت الارض، واشياء من نوع ان الحاكم الفلاني يحكم بلاده بواسطة السحرة، واشياء من نوع ان ولي عهد بريطانيا قد اسلم لكنه كتم ايمانه، ولهذا لا تريد النخبة لبريطانية ان تتنازل والدته عن العرش كي لا يحكمهم مسلم.. الخ.

مثل هذه القناعات تجد طريقها الى عقل الشخص لانه معزول عن العالم، يرى جانبا محددا بطريقة محددة. هذا يظهر ان تاثير الايديولوجيا في بعض الاشخاص قد يكون اعمق واوسع من تاثير المعارف الجديدة.

اود الاشارة أيضا الى مثال ذكره د. سعد الدين ابراهيم في كتابه القيم ”النظام الاجتماعي العربي الجديد - 1981“ والذي عالج في أحد فصوله إشكالية قريبة مما ذكرناه آنفا، تتمثل في صورة الطبيب أو المهندس الذي يستعمل المنطق العلمي في عمله، لكنه يعيش في حياته المنزلية والاجتماعية وفق تصورات خرافية أو غير علمية.

وقد رأيت أمثلة كثيرة من هذا النوع. وأظن ان هذه الحالة مرجعها شعور واع بالعجز عن حل الاشكاليات التي يطرحها العقل العلمي على زميله الميتافيزيقي. وهو عجز سببه الرئيس خوف الشخص من تجاوز حدود الدين. بعبارة اخرى فهو تعبير عن إرادة عفوية بالحفاظ على الفاصل القائم بين العقلين، من خلال فصل شعوري مواز لمجال العمل الذي يطبق فيه العلم الحديث، والحياة خارج نطاق العمل، حيث يستدعي الانسان معارفه وقناعاته التقليدية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.